بقلم: د. قاسم خلف السكيني.
الحمد لله رب العالمين، عليه نتوكل وبه تعالى نستعين، سبحانه (الذي بطن خفيات الأمور، ودلت عليه أعلام الظهور، وامتنع على عين البصير، فلا عين من لم يره تنكره، ولا قلب من أثبته يبصره). وصلوات ربي الزاكيات، وسلامه الموفور بالخير والبركات، على خير خلقه، وخاتم رسله، محمد وعلى آله الطاهرين.
أما بعد:
قال عليه السلام: شَتّانَ ما بَيْنَ عَمَلَينِ؛ عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وتَبْقىَ تَبِعَتُهُ، وعَمَلٍ تَذْهَبُ مُؤُوْنَتُهُ ويَبْقى أجْرُهُ([1])
جاء في المعارج أن معنى (شتان): أي بَعُدَ ما بينهما. شتان بمعنى افترق مع تعجب. والتبعة والتباعة: اسم الشيء الذي لك فيه بغية شبه ظلامة ونحوها، وهي سوء العاقبة للعمل السيء([2]). والمؤونة: من (مانهم يمونهم): أي يتكلف مؤونتهم([3]).
والمعنى المستفاد الحرص على عمل الخير، وإن كان هذا العمل يبدو ثقيلا، إلا أن عاقبته الخيرة باقية، وعلى النقيض من ذلك فالعمل السيء تبقى تبعته وجريرته المخزية.
وفي ما له صلة بوجه الرواية، أشـار الرضي الاسترابادي (688 هـ) إلى أنه:(لا يجمـع (شتان) إلى (ما بين) على رأي الأصمعي)([4])، والصواب جمعهما، ومن الشواهد على الجمع قول الإمام هنا، وقول ربيعة الرقي (198 هـ):
لَشَتَّانَ مَا بَيْنَ اليَزِيدَيْنِ فيِ النَّدَىَ يَزِيْدِ سُلَيْمٍ وَالأَغَرِّ بنِ حَاِتمِ([5])
سَمِعَ (عليه السلام) رَجُلاً يَضْحَكُ فيِ تَشْيِيعِ جَنازَةٍ فَقَالَ:))([6]).
الهوامش:
([1]) ورد فـي العيون ص297: (شتان بين عمل تذهب لذته وتبقى تبعته، وبين عمل تذهب مؤنته وتبقى مثوبته)، ومثله في شرح الغرر4/180. ورويت بلفظ المتن في: الحدائق 1/156، والمنهاج 3/305، والترجمة 2/462وشرح ابن أبي الحديد 18/310، وشرح البحراني 5/517، والمصباح ص 608.
([2]) العين: (تبع) 2/79.
([3]) المصدر نفسه: (مأن).
([4]) شرح الرضي على الكافية 3/103.
([5]) ربيعة الرقي شاعر عباسي، وشعره هذا يمدح به يزيد بن حاتم المهلبي ويهجو يزيد بن أسيد السلمي (ينظر شرح الكافية 3/103).
([6]) لمزيد من الاطلاع ينظر: شرح حكم الإمام علي وتحقيقها من شروح نهج البلاغة: للدكتور قاسم خلف مشاري السكيني، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص110.