الإخلاص

817 2016-11-12


                     قال الإمام علي (عليه السلام) : (الإخلاص أعلى الإيمان)[1].

    إن الاخلاص هو إحدى صفات المؤمن ومن أعلى مراتب الإيمان؛ لذلك أن أمير المؤمنين (عليه السلام)، بين لنا اهمية الاخلاص، ويجب على الانسان المؤمن ان يكون مخلصا لله تعالى في كل مجالات حياته اليومية ولا يشرك مع الله سبحانه احدا؛ لأنه مسؤول امام الباري عز وجل في يوم الورود؛ فمن يكون مخلصاً في حياته في كل ما يرضي الله تعالى، سوف ينال اعلى الدرجات في حياة الآخرة، وان تفاضل درجات ايمان المؤمنين، يكون على اساس مدى اخلاص المؤمن، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (بالإخلاص تتفاضل مراتب المؤمنين)[2].

أنواع الاخلاص:

ان الاخلاص يكون على عدة أنواع منها: الاخلاص لله عز وجل في العبادة، أي: أن يخلص المرء في طاعته لله سبحانه، وعليه ايضاً ان يخلص في نيته في جميع العبادات المكلف بالقيام بها من قبل الله تعالى؛ كالصوم والصلاة والحج والخمس والزكاة والجهاد في سبيل الله تعالى؛ كون الاخلاص شرط في قبول الاعمال من الانسان، وان تكون نيته في كل هذا في الاعمال مرضاة رب العزة والجلالة وحده ولا يريد فيها غيره عز وجل، كما قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: (وما أُمروا إلا ليعبدوا اللهَ مخلصينَ لهُ الدينَ حنفاءَ ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاةَ وذلكَ دينُ القيّمة)[3]، وان الاخلاص في الدين والعبادة لا يكون الا لله وحده سبحانه، كما قال تعالى: (ألا لله الدين الخالص)[4]، وكذلك أن يكون العبد مخلصا في صلاته لله سبحانه، و ان القيام والركوع والسجود في الصلاة لا يكفي إلا إذا كان العبد يريد فيها الى الواحد الاحد سبحانه وتعالى، وكان يريد فيها غير التقرب الى الله بواسطتها، وروي عن الامام علي (عليه السلام)، أنه قال في موضوع الاخلاص في الصلاة: (ليست الصلاة قيامك وقعودك، إنما الصلاة إخلاصك، وأن تريد بها الله وحده)[5]، واضافة الى الاخلاص في العبادة الاخلاص في الدعاء؛ أي: يجب على الانسان عند دعائه أن تكون نيته في الدعاء خالصة لله تعالى ولا يشغله عن ذكر الله سبحانه شيء، كما وروي عن الامام الرضا (عليه السلام): إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: (طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه، ولم يحرك صدره بما أُعطي غيره)[6].

 وكذلك من انواعه الاخلاص في العمل: أي: ان يكون عمل الانسان متقناً خالصاً لله تعالى، حتى يكون هذا العمل مقبولا منه؛ لأنه تعالى لا يقبل من العمل من العبد الا ما كان خالصا اليه، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا عملت عملا فاعمل لله خالصا؛ لأنه لا يقبل من عباده الأعمال إلا ما كان خالصا)[7]، وإن الشخص اذا اشرك مع الله تعالى بالعمل ولم تكن نيته خالصة لله تعالى وحده، أصبح عمله باطلاً إلا ما كان خالصا لله وحده، هذا ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)، حيث انه قال: قال الله تعالى: (...، من أشرك بي في عمله، لن أقبله إلا ما كان لي خالصا)[8].

علامات المخلص: وان للمرء المخلص في نيته لله تعالى تكون له علامات ودلالات، تدل عليه تميزه عن غيره، ومن هذه العلامات: أن تكون نيته في أي عمل يعمله خالصة لله تعالى وقبول هذا العمل منه سبحانه، ولا يريد به الرياء والشهرة او المدح عليه، ولا يريد ان يتظاهر به أمام الناس؛ لأنهم لا يملكون له ضررا ولا نفعاً، وان الله تعالى هو الذي يثيب ويعاقب على عمل المرء؛ لأنه لو قال للآخرين انا فعلت كذا وكذا، أي: يريد من هذا كلامه ان يتظاهر للناس بالرياء؛ فقد اشرك مع الله سبحانه في عمله ولم يكن عمله مخلصا لله عز وجل فقط، والله تعالى لا يقبل من الاعمال إلا ما كان يراد به وجهه سبحانه، حيث قال الله عز وجل: (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا لا يشرك بعبادة ربه احد)[9]،  وايضاً ان من علامات المخلص ان يكون لا يرجو من عبادته إلا الله تعالى ولا يريد بها غيره، ولا يخشى من احد إلا ذنبه، كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): (العبادة الخالصة أن لا يرجو الرجل إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه)[10]، وكذلك ان من علامات المخلص: ان يكون مخلصا في نيته؛ لأن النية من اعمال القلب لا من الاعمال الظاهرية؛ فممكن ان نرى احد الناس يؤدي ما عليه من واجباتٍ شرعية أمام الناس، لكن نيته في قلبه غير صادقةٍ؛ فهذا ليس بإخلاصٍ، وعليه ان يكون ايضا يحب الخير للناس ويعمل به بكل اخلاص، والابتعاد عن كل فعل يكون سبباً في آذى الناس الآخرين، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث أنه قال: (أما علامة المخلص فأربعة: يسلم قلبه، وتسلم جوارحه، وبذل خيره، وكف شره)[11]، وكذلك ان المخلص نيته في العبادة لله تعالى، من لم يختلف ما موجود داخل قلبه من نية صادقة مع ما يظهره للناس، وأن يكون كلامه في الإخلاص مطابقاً لفعله؛ فإذا كان هكذا؛ فقد أخلص بالعبادة وأدى ما عليه من تكليفٍ شرعي، كما قال الامام علي(عليه السلام): (من لم يختلف سره وعلانيته، وفعله ومقالته فقد أدى الأمانة وأخلص العبادة)[12]، وإن من علاماته ايضاً يكون المخلص حاملاً لصفاتٍ وسجايا يختلف بها عن بقية الناس ومن هذه السجايا: سجية الزهد، أي: ان المخلص لله في الطاعة والعبادة عليه ان يتحلى بهذه الصفة، قال الإمام علي (عليه السلام): (الزهد سجية المخلصين)[13]، وكذلك من شروط الاخلاص: انقطاع الانسان المخلص بعبادته؛ كالصوم الصلاة والحج والزكاة والجهاد في سبيل الله تعالى وغير ذلك من العبادات، عن ما يحيط به من الناس مهما كانت مكانتهم الاجتماعية، وان يكون لا يتأمل منهم شيء، انه يترجى عفو الله تعالى عنه وقبول اعماله؛ فإذا كان هكذا انه تعالى بكرمه سيتقبل منه من طاعة وأعمال قدمها بإخلاصٍ لله سبحانه، كما روي عن الإمام الباقر(عليه السلام): (لا يكون العابد عابدا لله حق عبادته حتى ينقطع عن الخلق كله إليه فحينئذ، يقول هذا خالص لي فيتقبله بكرمه)[14]، وان يكون لا يريد بعمله الذي عمله بإخلاص من احدٍ جزاءً ولا شكورا، كما قال الإمام الصادق(عليه السلام): (العمل الخالص: الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل)[15].

آثار الإخلاص:

 وان من آثار الاخلاص: إنه يحسن العاقبة للإنسان المؤمن الذي اخلص لله تعالى في نيته عمله، وفي كل جوارحه ابتغاءً مرضاة الله سبحانه، والدليل على ذلك ما ورد عن الإمام علي (عليه السلام)، حيث أنه قال:) الإخلاص أشرف نهاية)[16].

ومن آثار الاخلاص لله في العمل العبادة و في كل فعل خير، يؤدي به هذا الى طريق الصواب والوصول الى غاية العبد من وراء هذا الاخلاص وهي الدخول الى الجنة، كما  قال رسول الله  : (أيها الناس إنه من لقي الله عز وجل يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا لم يخلط معها غيرها دخل الجنة،...)[17]، لكن شرط ان يكون إخلاصه يعصمه ويمنعه من فعل كل محرمٍ، كما قال الإمام الصادق(عليه السلام): (من قال " لا إله إلا الله "مخلصا دخل الجنة، وإخلاصه أن يحجزه " لا إله إلا الله " عما حرم الله)[18].

 بالإضافة الى ما تقدم ان الالتزام بالإخلاص في العمل لله تعالى والاستمرار على العمل به بصورة صحيحة واتمامه على اتم وجه، يجعل الانسان بعيدا عن ما حرم الله سبحانه ولا يعصيه بما نهى عن فعله، كما قال الإمام علي(عليه السلام): (تمام الإخلاص تجنب المعاصي)[19]، و كذلك اجتناب المحارم، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (تمام الإخلاص اجتناب المحارم)[20].

ونسألكم الدعاء بغفران الذنوب، التوفيق إلى مرضاة الله تعالى عن طريق خدمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وآله الأطهار عليهم أفضل الصلاة والسلام.

 

 

 



[1] غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدي التميمي، ح372، ص19.

[2] ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج1، ص754.

[3] سورة البيّنة، آية:5.

[4]الزمر:3.

[5] شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديدج1، ص325.

[6] رسائل الشهيد الثاني ( ط.ق )، الشهيد الثاني، ص108.

[7] ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج1، ص756.

 

[8]مستدرك الوسائل، ميرزا حسين النوري الطبرسي، ج1، ص100.

[9]الكهف:110.

[10]ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج1، ص758.

[11] المصدر نفسه.

 [12] تصنيف نهج البلاغة، لبيب بيضون، ص751.

[13]ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج1، ص758.

[14]المصدر نفسه.

[15]هداية الأمة إلى أحكام الأئمة (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، الحر العاملي، ج1، ص41.

[16] ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج1.

[17]ثواب الأعمال، الشيخ الصدوق، ص281.

[18]التوحيد، الشيخ الصدوق، ص27.

[19]ميزان الحكمة، محمد الريشهري، ج1،ص757.

[20] المصدر نفسه.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك