الحاكم وصفاته في الفكر العلويّ

مقالات وبحوث

الحاكم وصفاته في الفكر العلويّ

3K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 18-11-2019

البَاحِث: سَلَام مَكّيّ خضَيّر الطَّائيّ.
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الخلق والمُرسلين، أبي القاسم مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين، واللّعن الدَّائم على أعدائِهم إلى قيام يوم الدِّين...
أمَّا بعد...
فإنَّ في هذه الظّروف الرَّاهنة، لا بدّ من الحديث عن الحاكم وصفاته، ومن طالع بعض الكتب التي حوت كلام الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام) يجدها زاخرة بهذا الصَّدد، الذي يتبيّن لنا عن طريقه التّعرّف على ما تحتويه معنى كلمة (الحاكم) وما هي صفاته في الفكر العلويّ.
ما هو تعريف الحاكم؟
الحاكم: هو الذي يقوم بإدارة شؤون الأُمَّة وتصريف أمورها وتلبية متطلباتها ومستلزماتها، كالعيش والسّكن والمأكل والملبس والتعليم، والمحافظة على المال العام وعدم هدره، وغير ذلك.
ما هي صفات الحاكم؟
لا بد أن يتصف الحاكم بصفات تؤهله في إدارة شؤون النَّاس وتدبير أمورهم، ومن أهم هذه الصفات أن يكون عادلًا، وهذه من أهم الصّفات الأخلاقيَّة التي يجب أن تكون متوفّرة في الحاكم، فالعدل: وهو خلاف الظّلم والجور[1]، وقد عُرِّف العدل بتعاريف كثيرة وذلك لاختلاف الأنظار وتشعب موارده، وقد يتبادر من تلك التعاريف وجود اختلاف كبير في معنى العدل عند أهل كل فن.
والواقع أن العدل حقيقة واحدة عند الكل والكل يشير إليها بعبارات شتى فليس هو غير الذي ذكره أهل اللغة من أنّه[2]: الحكم بالحق، أو توزيع الحقوق على مستحقّيها من دون الخلل في تقسيمها[3].
ويدل على ذلك الحديث الشريف المروي عن أمير المؤمنين (عليه السَّلَام): (العدل صورة واحدة والجور صور كثيرة ولهذا سهل ارتكاب الجور وصعب تحرّي العدل، وهما يشبهان الإصابة في الرّماية والخطأ فيها، وإنَّ الإصابة تحتاج إلى ارتياض وتعهّد، والخطأ لا يحتاج إلى شيء من ذلك)[4].
فلابد للحاكم أن يكون عادلًا في التَّعامل مع الرَّعيَّة وأن يتذكّر إنَّ الله تعالى فوقه ويراه ويُراقبه في الصَّغيرة والكبيرة، وأن يخشاه ويخافه، وأن يتعامل مع رعيّته على حدٍّ سواء، من دون التّفرقة بين القريب أو من يمد له بصلة قرابة ويجعل له درجة خاصَّة ويميزه، من أن يتصرَّف التّصرّفات نفسها مع الغريب عنه، أو يجعل له درجة ومرتبة تختلف عن درجات سائر الرَّعيَّة، ويسن قوانين تسمح له بأن يتمتَّع بصلاحيَّات لا يتمتَّع بها غيره، فهذه الصّفات ليس من صفات الحاكم العادل الذي يحكم بين رعيته فيما يرضي الله تعالى.
 وبالإضافة إلى ذلك أن يكون ذا علم بالأحكام الشرعيَّة والفقهية، وعارفًا بالأحكام القضائية، وورعًا صادِقًا عفيفًا أمينًا على المال العام والخاص، فمن اتّصف بهذه الصّفات وغيرها، فهو أهل للحكومة، ومن لم يتّصف بشيء منها أو بعضها لا يجوز له الحكم بين الناس وإن تعدّد المتصف بها، ووقع الاختلاف بينهما في الحكم[5]، فلا يحقّ للرّعية تنصيب من تميل إليه أهوائهم وتفضيله على الآخرين، لمصلحة فئة معينة على فئة أخرى، ولكن يجب أن يكون منصَّباً لما تقتضيه المصلحة العامَّة، ومن معرفة سابقة في كلّ ما يخصّ أمور الرَّعيَّة.
فروي عن الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام) أنَّه قال لأبي هريرة، وأبي الدّرداء ليبلغاه إلى معاوية: (... والواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المُسلمين بعد ما يموت إمامهم أو يقتل - ضالًّا كان أو مهتديًا، مظلومًا كان أو ظالمًا، حلال الدّم أو حرام الدّم - أن لا يعملوا عملًا، ولا يحدثوا حدثًا، ولا يقدموا يدًا ولا رجلًا، ولا يبدؤوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إمامًا، عفيفًا، عالمًا، ورعًا، عارفًا بالقضاء والسُّنَّة...)[6].
وإلى هنا نختم مقالنا هذا، وأن الحمدُ لله ربّ العالمين، وصلَّى الله على نبيّنا وشفيعنا أبي القاسمِ مُحَمَّد وآله الأطهار، ولعن الله الظَّالمين لهم والمغتصبين لحقوقهم إلى قيامِ يوم الدِّين، إنَّه سميعٌ مُجِيب...
الهوامش:
[1] يُنظر: الصّحاح، الجوهري: 5/1760.
[2] ينظر: رسالة في التّعرب بعد الهجرة ويليها نظرة في الحفاظ علي المجتمع المؤمن، الشيخ قاسم محمد مصري العاملي: 248-249.
[3] يُنظر: كتاب العين، الفراهيدي: 2/38.
[4] رسالة في التّعرب بعد الهجرة: 249.
[5] يُنظر: الدّرر النَّجفيَّة من الملتقطات اليوسفيَّة، المحقق البحراني:1/291.
[6]  الصحيح من سيرة الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، السَّيِّد جعفر مرتضى العاملي: 19/343.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1431 Seconds