رأي الإمام علي عليه السلام في التكهن والتنجيم وسريانه في المجتمع لما بعد البعثة

مقالات وبحوث

رأي الإمام علي عليه السلام في التكهن والتنجيم وسريانه في المجتمع لما بعد البعثة

291 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 23-06-2022

بقلم: السيد نبيل الحسني الكربلائي

الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي لَا تُدْرِكُه الشَّوَاهِدُ، ولَا تَحْوِيه الْمَشَاهِدُ، ولَا تَرَاه النَّوَاظِرُ، ولَا تَحْجُبُه السَّوَاتِرُ، وصلواتهُ التامات الزاكيات على حبيبه محمد، عَبْدُه ورَسُولُه الصَّفِيُّ، وأَمِينُه الرَّضِيُّ، أَرْسَلَه بِوُجُوبِ الْحُجَجِ وظُهُورِ الْفَلَجِ وإِيضَاحِ الْمَنْهَجِ ، وعلى آله أساس الدين وعماد اليقين.

أما بعد:
اختلفت دلالة (لفظ) الكاهن في الديانات، فالكاهن عند الديانة المسيحية: هو أحد رجال الكنيسة، ويسمى: قسيس[1].
لكن الكهّانة، والكاهن، والكهنة في المعتقدات البابلية والمصرية والعربية في الجزيرة تختلف في دلالاتها عن الكهنة في الديانة المسيحية واليهودية.
فالكهنة في المعتقدات البابلية: (يشرفون على المعابد ويحمون العقيدة ويكونون وسطاء بين الناس والآلهة، ويؤدون التراتيل الدينية؛ والناس يوم ذاك يقدمون القرابين للآلهة على يد الكهنة في المعابد تضرعاً وطلباً للوفرة والإنتاج والتخلص من الشرور)[2].
والكهنة في معتقدات المصريين والفراعنة: (جماعة دينية لها مناصب دينية إضافة إلى وظائفهم والطقوس عندهم أدعية وصلوات، وكرس المصريون اهتمامهم على إرضاء الآلهة لتمنحهم السعادة في الدنيا)[3].
والكهنة عند العرب قبل الإسلام، هم طبقة (تمثل الوسيط بين الآلهة والناس المعتنقين وتقدم لهؤلاء الكهنة القرابين والنذور، مقابل قيامهم بترتيل، -كلام ديني- وأنهم يدعون معرفتهم بشؤون الآلهة وقادرون على توجيههم إلى الخير بدلاً من الشر)[4].

من هنا: لعبت الكهنة دوراً فاعلاً في ترسيخ العقائد في أذهان الناس، وذلك لغرض الانتفاع من أموالهم وحفظ مكانتهم الاجتماعية فيما يفرضه الموقع المتصل بالآلهة أو الوسيط فيما بينهم وبين الناس من شأنية ترتكز أولاً على الخوف كي لا يغضب الكاهن فيؤدي إلى غضب الآلهة، أو أن يسلط عليه إحدى القوى التي كانت ترتبط به وتبعاً له كالجن والشياطين مما يزرع الخوف من وقوع الضرر في النفس والمال ليندفع الإنسان آنذاك باستحصال رضا الكهنة، وثانياً: كانت الكهنة هم الوسيلة الوحيدة، لمعرفة الأخبار المغيبة.
وفي ذلك يقول النويري: (وكانت كهنة العرب، لهم أتباع من الشياطين يسترقون السمع ويأتونهم بالأخبار فيلقونها لمن تبعهم ويسألهم عن خفيات الأمور حتى جاء الإسلام)[5].

ولقد أشار القرآن إلى خطورة هذه الطبقة المتحكمة في المجتمع العربي آنذاك، وبيان محاربتهم لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وإظهار سعيهم لاتهام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتكهن؛ كي يبقى الناس على معتقدهم بالكهنة، وأن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأتِ بشيء جديد فحاله كحالهم-والعياذ بالله- ومن ثم تبقى هذه الطبقة قائمة في المجتمع.
فضلاً عن أن طغاة قريش الذين تشرّبت نفوسهم على الطاغوتية باستملاك العبيد والاستهتار بالنساء قد أشاعوا ذلك فيما بين الناس كي لا يعتقد أحد بهذا الدين الجديد.

قال تعالى:
 ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾)[6].
ولقد تحدثت كتب التاريخ والسيرة عن دور هؤلاء في الجزيرة، ومعاداتهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومحاولتهم قتله[7]، ولذا كان أبو طالب (عليه السلام) يخفيه عنهم ولا يفارقه ليلاً ولا نهاراً.

ولعل المنفعة الوحيدة التي قدمها الكهنة وعلى رأسهم سطيح[8] -وهو آخر كهنة العرب- إخبارهم الناس بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ قال الفخر الرازي: (ولهذا يحكى عن سطيح أنه لما أخبر بوجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عن أمور تكون)[9].
في حين أشارت بعض المصادر إلى دور الكهنة في دخول بعض الصحابة إلى الإسلام كعثمان بن عفان[10]، وذلك عِبر ما قدمه له أولئك الكهنة من نصح.
فضلاً عن دور الرهبان في دخول أبي بكر وطلحة بن عبيد الله إلى الإسلام حسبما يروي لنا الحافظ ابن عساكر في تاريخه[11].

ولقد سرى الاعتقاد بالتنجيم عند العرب وغيرهم لما بعد بعث النبي (صلى الله عليه وآله) وتأثر كثير من المسلمين بذلك، وهو ما كشفه النص الشريف عن أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج، وقد قال له:
(إنْ سرت يا أمير المؤمنين، في هذا الوقت، خشيت ألا تظفر بمرادك، من طريق علم النجوم، فقال (عليه السلام):
«أَتَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ، الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْه السُّوءُ، وتُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِه الضُّرُّ، فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ، واسْتَغْنَى عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِالله، فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ ودَفْعِ الْمَكْرُوه، وتَبْتَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ، أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّه، لأَنَّكَ بِزَعْمِكَ أَنْتَ هَدَيْتَه إِلَى السَّاعَةِ، الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ وأَمِنَ الضُّرَّ».

ثم أقبل [عليه السلام] على الناس، فقال:
«أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وتَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلَّا مَا يُهْتَدَى بِه فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكَهَانَةِ والْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ والْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ والسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ والْكَافِرُ فِي النَّارِ سِيرُوا عَلَى اسْمِ الله»[12])[13]

الهوامش
[1] المعجم القانوني لحارث سليمان الفاروقي: ج1، ص240.
[2] جغرافية المعتقدات: ص155 - 156.
[3] جغرافية المعتقدات: ص160.
[4] جغرافية المعتقدات: ص 166 - 167.
[5] نهاية الأرب للنويري: ج3، ص128.
[6] سورة الحاقة، الآيات: 40 و41 و42.
[7] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج13، ص206.
[8] سمي الكاهن سطيح بـ (سطيح) لكونه منسطحاً لزمانه؛ أنظر: مفردات غريب القرآن الأصفهاني: ص222.
[9] تفسير الرازي: ج29، ص29.
[10] أنظر حديث عثمان بن عفان عن دور خالته سعدى بنت كرز وقد كانت تتكهن في دخوله للإسلام؛ الإصابة لابن حجر: ج7، ص697 - 698.
[11] أنظر حديث أبي بكر حول الراهب الذي التقاه في اليمن وأوصاه باتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ تاريخ دمشق: ج30، ص31 - 33؛ تفسير الثعالبي: ج1، ص320؛ خديجة بنت خويلد للمؤلف: ج4، ص55 - 58.
[12] نهج البلاغة: الخطبة 79، ص 105 بتحقيق صبحي الصالح.

 

[13] ينظر: أثر الميثولوجيا العالمية في تكوين عقائد العرب قبل الإسلام، السيد نبيل الحسني: ص 72-78، أصدار العتبة الحسينية المقدسة – مؤسسة علوم نهج البلاغة/ ط1 دار الوارث- 2022م.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1466 Seconds