الادارة المالية عند الإمام علي (عليه السلام) ثانياً: وصياه عليه السلام لعمال الفيء

مقالات وبحوث

الادارة المالية عند الإمام علي (عليه السلام) ثانياً: وصياه عليه السلام لعمال الفيء

495 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 05-07-2022

بقلم: م. م. هدى ياسر سعدون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
يمكن ان نستخلص جملة من وصايا أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب نهج البلاغة كانت مخصصة لعمال الفيء وأنها احتوت على ما يلي:
أولًا: الابتعاد عن الخيانة، إذ ان الإمام عليه السلام قد وعدهم بأنه قسم قسماً صادقاً، إذا بلغه عن الخيانة في فيء المسلمين- بغض النظر إن كان صغيراً أو كبيراً فإنه سيعاقبهم على ذلك:
«وإِنِّي أُقْسِمُ بِاللهِ قسماً صادِقاً، لئِنْ بلغني أنّك خُنْت مِنْ فيْءِ الْمُسْلِمِين شيْئاً صغِيراً أوْ كبِيراً، لاشُدّنّ عليْك شدّةً تدعُك قلِيل الْوفْرِ، ثقِيل الظّهْرِ، ضئِيل الاْمْرِ، والسّلامُ»[1].

وقد شرح ابن أبي الحديد قول الإمام عليه السلام فقال: «ثم وصف تلك الشدة فقال:
إنها تتركك[2] قليل الوفر، أي أفقرك بأخذ ما احتجت من بيت مال المسلمين وثقيل الظهر، أي مسكين لا تقدر على مؤونة عيالك. وضئيل الأمر، أي حقير، لأنك إنما كنت نبيهاً بين الناس بالغنى والثروة، فإذا افتقرت صغرت عندهم، واقتحمتك أعينهم»[3].

ثانياً: أن يكون العامل على بيّنة من ربه وأمره وان لايكيد على الأمة ويغرهم ويختطف أموالهم:
«وكأنّك لمْ تكُنْ على بيِّنة مِنْ ربِّك، وكأنّك إِنّما كُنْت تكِيدُ هذِهِ الاُْمّة عنْ دُنْياهُمْ، وتنْوِي غِرّتهُمْ عنْ فيْئِهِمْ، فلمّا أمْكنتْك الشِّدّةُ فِي خِيانةِ الاُْمّةِ، أسْرعْت الْكرّة، وعاجلْت الْوثْبة»[4].

 ثم بيّن الإمام عليه السلام كيفية اختطاف هذه الأموال قائلاً:
«واخْتطفْت ما قدرْت عليْهِ مِنْ أمْوالِهِمُ الْمصُونةِ لأرامِلِهِمْ وأيْتامِهِمُ، اخْتِطاف الذِّئْبِ الاْزلّ [5]، دامِية الْمِعْزى الْكسِيرة، فحملْتهُ إِلى الْحِجازِ رحيِب الصّدْرِ بِحمْلِهِ، غيْر مُتأثِّم مِنْ أخْذِهِ، كأنّك ـ لا أبا لِغيْرِك ـ حدرْت إِلى أهْلِك تُراثك مِنْ أبِيك وأُمِّك»[6].

... حيث ان هذه الأموال عندما حملتهن لم تبالِ في أخذها وكأنك قد ورثتها عن أبيك وأمك.

يتبين من ذلك، أن الإمام عليه السلام أراد توبيخه بأعنف ما يكون فشكك في إخلاصه فيما كان يقوم به من جهاد؛ لأن فعله هذا يكشف عن ذاك، وكذلك شكك في إيمانه بوعد الله ووعيده؛ لأن فعله يساوي فعل الجاهل وكذلك شكك في عمله وصحة توجهه ونزله منزلة من يريد خداع المسلمين بعمله من أجل أن يصطاد دنياهم ويأخذ فيئهم وما جنته سيوفهم.. وقد وصف هذا الاختطاف كأن اختطاف الذئب الوثّاب الشديد العدو الذي ظفر بالمعزى المكسورة التي لاتقدر الفرار»[7].

ثالثاً: على العامل أن يستحضر موقفه يوم القيامة قال الإمام عليه السلام:
«فسُبْحان اللهِ! أما تُؤْمِنُ بِالْمعادِ؟ أو ما تخافُ نِقاش الْحِسابِ! أيُّها الْمعْدُودُ ـ كان ـ عِنْدنا مِنْ ذوِي الاْلْباب، كيْف تُسِيغُ شراباً وطعاماً، وأنْت تعْلمُ أنّك تأْكُلُ حراماً، وتشْربُ حراماً، وتبْتاعُ الاْماء وتنْكِحُ النِّساء مِنْ مالِ الْيتامى والْمساكِينِ والْمُؤْمِنِين والْـمُجاهِدِين، الّذِين أفاء اللهُ عليْهِمْ هذِهِ الاْمْوال، وأحْرز بِهِمْ هذِهِ الْبِلاد..»[8].

رابعاً: يوصيه بتقوى الله وأن يرجع هذه الأموال إلى أهلها وإلا فإن مصيره سيكون القتل:
«فَاتَّقِ اللهَ، وَارْدُدْ إِلَى هؤُلاَءِ الْقَوْمِ أموَالهم، فإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي اللهُ مِنْكَ لَأُعْذِرَنَّ إِلَى اللهِ فِيكَ، وَلاَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَاضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً إِلاَّ دَخَلَ النَّارَ!»[9].

ثم يضع الإمام عليه السلام –وهو الحاكم- أنموذجاً لعدالته ومساواته؛ إذ يقسم ان هذا الفعل لو قام به الحسن أو الحسين عليهما السلام لم يتأخر عن عقوبتهما حتى يأخذ الحق منهما:
«وواللهِ لوْ أنّ الْحسن والْحُسيْن فعلا مِثْل الّذِي فعلْت، ما كانتْ لهُما عِنْدِي هوادةٌ، ولا ظفِرا مِنِّي بإِرادة، حتّى آخُذ الْحقّ مِنْهُما، وأُزِيح الْباطِل عنْ مظْلمتِهِما...»[10].
«فَكَأنَّكَ قَدْ بَلَغتَ الْمَدَى، وَدُفِنْتَ تَحْتَ الثَّرَى، وَعُرِضَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يُنَادِي الظَّالِمُ فِيهِ بِالْحَسْرَةِ، وَيَتَمَنَّى الْمُضَيِّعُ الرَّجْعَةَ، وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ»[11])[12].

الهوامش:
[1] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، (20)، 15/103.
[2] تتركك: جاءت هكذا في الشرح إلا انها وردت في كلام الإمام عليه السلام «تدعك»، المصدر نفسه، 15/103.
[3] المصدر نفسه، (43) 15/103.
[4] المصدر نفسه، (41)، 16/346.
[5]الذئب الأزلّ : أراد به نعتًا للذئب جعله أَزلّ لأنه اخفّ له، الأزهري، تهذيب اللغة، مادة (أزل)، 13/110.
[6] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، (41)، 16/346.
[7] القمي، شرح نهج البلاغة، 4/451.
[8] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، (41) 16/346.
[9] المصدر نفسه، (41) 16/346.
[10] المصدر نفسه، (41) 16/346.
[11] المصدر نفسه، (41) 16/347.
[12] لمزيد من الاطلاع ينظر: الفكر الإداري عند الامام علي عليه السلام في نهج البلاغة، هدى ياسر سعدون، طبعة مؤسسة علوم نهج البلاغة، العتبة الحسينية المقدسة: ص 303-307.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2260 Seconds