من ألفاظ البيع والشراء في نهج البلاغة: 10- الرزق

مقالات وبحوث

من ألفاظ البيع والشراء في نهج البلاغة: 10- الرزق

466 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 31-08-2022

بقلم: الدكتورة سحر ناجي المشهدي

الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين..

وبعد:
تكرر هذا اللفظ في ثلاثة وخمسين موضعاً من النَّهْج، ودَّل على:
الرِزق الحقيقي (المادي): العطاء الجاري من طعام أو نصيب ونحوه.
الرزق المجازي: وهو الدَّخْلُ أو ما يفرض من بيتِ المَّال للجُند، وغيرهم من العاملين في الدَّولة. إذ جاء الفعل الماضي متصلاً بضمير الغائبة التي تعود إلى (الأموال) مرة واحدة في توبِيخه للبخلاء بالمالِ والنفسِ قائلاً:» فَلاَ أَمْوَالَ بَذَلْتموهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا...»[1]، فلم تبذلوا أموالكم في رضا من رزقكم إيّاها، ولم تخاطروا بأنفسكم في رضا الخالق، والأولى بكم أن تبذلوا المال في رضا رازقه، والنفس في رضا خالقها؛ لأنّه ليس أحد أحق منه بالمال والنفس وبذلها في رضاه[2].

 وجاء مبنيا للمجهول ؛ ليكون عاما في كل رزق ومسندا إلى الجماعة ؛ ليشمل العقلاء خاصة، وذلك في حديثه عن الزاهدين: « ويكثر مقتهم أنفسهم وإن اغتبطوا بما رُزِقوا»[3]، فجاء الفعل مسبوقاً بـ(ما) المصدرية، والمصدر المُؤول منهما بـ(رِزْقِهم) المسبوق بـ(إن) الشرطية، وقد حذف الفاعل لكون الرازق معلوماً وهو الله (سبحانه وتعالى)، وصوغ الجملة وصبِّها على أقل ما يمكن طلبا للإيجاز. فهم يخافون ويتهمون أنفسهم بكونها لا تبدي نشاطا في طاعة الله[4].
 وجاء المضارع منه على زنة (يَفْعِل) منفياً بـ (لا) النافية غير العاملة في حديثه متعجباً عن ابن آدم قائلاً: » مَا لاِبْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، وَلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ»[5].

 وجاء على زنة (اسْتَفْعِل) طلب الرزق، قال (عليه السلام): « اللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ، وَلا تَبْذُلْ جَاهِيَ بِالإقْتَارِ، فَأَسْتَرْزِقَ طَالِبِي رِزْقِكَ»[6]، فـ(استرزق): أطلب الرزق، وبدأ الدعاء لنفسه بصيانة وجهه باليسار، ولكن طلبه للرزق جعله عاما له ولغيره حبا منه خلق الله، لكن ّالإمام (عليه السلام) لا يسترزق ولا يستعطف أحدا، مهما كانت الظروف، ولا يمدح أحدا لا يستحق المدح ؛ بل أراد التعريض بمن يمدح على حساب المنفعة، والمصلحة الشخصية وهذا الدعاء ورد في الصحيفة السجادية، وهو: « اللهم صٌنْ وجهي باليسار ولا تبذل جاهي بالإقتار فاسترزق طالبي رزقك، واستعطف شرار خلقك، وابتلى بحمد من أعطاني، وافتن بذم من منعني، وأنت من وراء ذلك كلّه ولي الإعطاء والمنع إنَّك على كل ِّ شيءٍ قدير»[7].
وتكرر الاسم منه معَرَّفا ب(ال) منها قوله يبين وصايا شتى: » وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ، أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ: رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ» [8].

فـــ (رِزْق) بدل مفصل من مجمل، والمبدل منه رزقان فـ (رزق تطلبه): بتجارة او صناعة او فلاحة او خدمة، وهذا الرزق قضاء كأي شيء يحدث في الكون ابى سبحانه الا ان يربط الاسباب بمسبباتها. والنتائج بمقدماتها حتى نعيم الاخرة، و(رزق يطلبك) بإرث أو هدية أو صيد غال وثمين لا يكلفك سوى خطوات... فالكلام عن الرزق تعبير مجرد عن واقع الحال بصرف النظر عن فلسفة الرزق [9].

قال عروة بن أذينة:
 لقد علمتُ وما الإسراف من خلقي            أنً الذي هو رزقي سوف يــأتيني
أسْعَى لــــــــــــه فَيُعنِّيني تطَّلُّبــــُــــــهُ        ولو قعْدتُ أتانـــي لا يُعنِّينـــــــي[10].

 فتتكون لدينا المعادلة الآتية: الرزق (الدخل) = رزق تطلبه + رزق يطلبك

فالدَّخل يتضمن ما هو مخطط، وغير مخطط له. والدَّخل المنظور وغير المنظور، والمعلوم والمتغير، ويمكن إدخال تفاصيل واسعة لهذه المعادلة لتشمل دخل الفرد والدخل الوطني أو القومي والعالمي الموازن وحتى أكبر ميزانية للدَّولة[11].
وقوله: «فَرَضَ اللهُ الإيمَانَ تَطْهِيراً مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاَةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبْرِ، وَالزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ»[12]، فـ(تطهيراً، تنزيهاً، تسبيباً) كلها مفاعيل لأجله ؛ ففرض الإيمان تطهير للشرك، وفرض الصلاة تنزيه عن الكبر، ففيها يتساوى العظيم والصغير في صف واحد، يتذللون ويتضرعون ؛ بل ربما تقدم الصغير في الصف والكبير خلفه والكل راضٍ بموقفه، وفرض الزَّكاة ؛ سببا في الرزق، ويخلق لهم أضعافا.
وقوله (عليه السلام) وهو يبين مواعظ للناس: «فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ، وَمَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ. قَدْ تُكُفِّلَ لِكُمْ بِالرِّزْقِ، وَأُمِرْتُمْ بَالْعَمَلِ، فَلاَ يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ»[13]، فقد أمر بالعمل ونهى عن الحرص على طلب الرزق، فقال: إنَّكم أُمِرتم بالعَمل، وضَمّن لكم الرِّزق فلا تجعلوا المضمون حصوله هو المخصوص بالحرص، وجاء التوشيع في قوله (عليه السلام): « الرِّزْقُ رِزْقَانِ: رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ، فَلاَ تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمِّ يَوْمِكَ»[14].

 والتوشيع هو ضرب بديعي جاء به الإمام (عليه السلام) فأتى باسم مثنى (رزقان) ثم فسّره باسمين مفردين، ثانيهما (رزق يطلبك) معطوف على أولهما (رزق تطلبه). فلكلِّ شيءٍ سبب، رزقاً كان أم غيره، والفرق بين الرِّزق وغيره يعود إلى أنّ غيرَ الرِّزق يمكن ضبطه وتحديده من خلال العلم بأسبابه: أمّا الرِّزق فلا يمكن ضبطه وتحديده بحال حتى من خلال العلم بأسبابه: هذا الفرق لاما قاله الشارحون: إنَّ الرزقَ بيدِ اللهِ وحده وبلا سبب على الإطلاق. فلا رزق إلا بسبب مع توفيق الله وعنايته سوى أنّه لا يقدر بسببه، أمّا غيره فيمكن تقديره بسببه الموجب له. (الرزق الذي تطلبه) الذي صممت عليه وسعيت اليه وجعلته نصب عينيك، (ورزق يطلبك) الذي لم يكن في الحساب[15]، والجملة إخبارية، والرزقان: اسم مثنى، جاء بعده باسمين مفردين: طالب، ومطلوب.

وورد الاسم متصلاً بالغائبة التي تدلُّ على النَملة، قال (عليه السلام) في وصفها: «انْظُرُوا إِلَى الَّنمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا، وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، وَلاَ بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا، وَصَبَتْ عَلَى رِزْقِهَا، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا تُجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِي وُرُودِهَا لِصَدَرِهَا، مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا، مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا»[16]، فهذه النملة على صغر حجمها وتفاهة وزنها تكدُّ وتعمل من أجل الرّزق وتجمع قوتها في الصَّيف لتخزنه الى الشتاء، وتٌعَلِمٌ الإنسان الادّخار، فالإمام (عليه السلام) لا يريد أن يحكي حكايات عن عالم الحيوان فيملأ الفراغ ؛ بل يضرب المثل بها للدرس والاتّعاظ[17].
 وضرب المثل بـ(الخَفَّاش) فهو يسعى في الليل ويرتاح في النهار ليضمن قوته ؛ كالنّملة فهي تسعى في الصيف لتدخر قوتها في الشتاء. كما ورد اسم المفعول مرة واحدة مسندا إلى ضمير الغائب وذلك في قوله: « انْظُرُوا إِلَى الَّنمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا...تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِي وُرُودِهَا لِصَدَرِهَا، مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا، مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا»[18].
 ورَزَق اللهُ يَرزُقُ العباد رِزقا: اعتمدوا عليه، وهو الاسم أخرج على المصدر وقيل: رَزْقِ. واذا أخذ الجند أرزاقهم، قيل: ارتزقوا رَزْقة واحدة، أي مَرًة[19].
فالرَّاء والزاي والقاف أصل واحد يدلُّ على عطاء لوقتٍ. فالرِّزق: عطاء اللّهِ جلَّ ثناؤه. ويقال رَزقه اللّهُ رِزْقاً، والاسم الرِّزق. وهو الشُّكر[20].

ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾[21]. وفعلت ذلك لمًا رزقتني، أي لمّا شكرتني. قال الله تعالى: ﴿ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾[22] ؛ يقول: بل انا رازقهم، وما خلقتهم إلاّ ليعبدونِ.
والرًزْقُ: ما يُنتفَع به، وجمعه الأرزاق[23]، وهو اسم لِمَا يَسُوقه الله الى الحيوان للتغذي ؛ أي ما به قوام الجسم ونماؤه. والجمع أرْزَاق[24].
ويُقـَـال للعَطاء الجاري تارة دنيوياً كان أم أخرويًّا، وللنّصيب تارة، ولمَا يصلُ إلى الجوف ويتغذى به تارة[25]، فإن فعل الفعل وقتا بعد وقت قيل: فَعَّال مثل: عَلاّم وصَبّار[26].
وجاء في المقتضب: «هذا باب ما يبنى عليه الاسم لمعنى الصناعة لتدل من النسب على ما تدل عليه الياء) «وذلك قولك لصاحب الثياب: ثوَّاب، ولصاحب الثياب: ثوَّاب، ولصاحب العطر: عطّار، ولصاحب البَزِّ بـَزَّاز. وإنّما أصل هذا لتكرير الفعل كقولك: هذا رجل ضرّاب، ورجل قتاّل، أي: يكثر منه مثل: بزّاز وعطّار» [27].
ويرى د. فاضل السامرائي أن صيغة (فَعّال) في المبالغة هو النقل من شيء الى آخر فتحصل عند ذاك المبالغة[28]؛ لأنَّ صيغة (فَعَّال) في الأصل مثل نجَّار، وقيست عليها صفات المبالغة، كأنَّها لكثرتها قد صارت حرفة عند معطيها)[29].

الهوامش:
[1] نهج البلاغة: خ 117، 124.
[2] ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 7 / 220.
[3] نهج البلاغة: خ 113، 119، واغتبطوا: غبطهم غيرهم بما آتاهم الله من الرزق.
[4] ظ: في ظلال نهج البلاغة / 2 / 505.
[5] نهج البلاغة: الحكم القصار: 454، 418.
[6] خ 225، 255 صيانة الوجه: حفظه من التعرض للسؤال، واليسار: الغنى، الإقتار: الفقر.
[7] ظ: الصحيفة السَّجادية: شرح: محمد جواد مغنية.
[8] نهج البلاغة: خ 114، 120
[9] ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 7 / 202.
[10] ظ: شعر عروة بن أذينة: 49 وهو من شعراء صدر الاسلام ومن الفقهاء ايضا، شاعر غزل من أهل المدينة.
[11] ظ: علم الاقتصاد في نهج البلاغة: هاشم حسين: 34.
[12] نهج البلاغة: الحكم القصار: 252، 386.
[13] خ 114، 120.
[14] الحكم القصار: 379، 409.
[15] ظ: في ظلال نهج البلاغة: 5 / 245، وظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 19 / 263.
[16] نهج البلاغة: خ 185، 197.
[17] ظ: الفكر الاقتصادي في نهج البلاغة: 26 و، ظ: عبقرية الإمام (عليه السلام) في علم الحيوان: عادل محمد علي الشيخ: بحث ورد في موسوعة الموسم: 274 ـ 275، إذ تتخذ النَّملة قُرىٍ تحت الأرضِ، ومخازن للحبوبِ، وتمتلك حاسة شم قوية، والعُمَّال على نوعين: منهم من يعتني بدور الحاضنة، وهي مُرَبِيات والنَوع الآخر: يحرس العُش او المُسْتَعْمرة، يقوم كلاهما بجمع المَّال، وينقل أجساما أكبر من جسمها، وسلوكها غريب إذ أنّ بعض البذور كالقمح أو الأرز تنبت إذا تركت في جوف الارض؛ لذا فهي تقسِّم الحَبَة قسمين، إلاّ حبّة الكزبرة فتقسِّمها على أربعة اقسام، وتخرج الحّب إلى سطح الارض لتعريضه إلى الهواء وأشعة الشمس لئلاّ يتعفن، وإذا أحسً بظهور الغيوم أعاد الحب إلى مكانه خوفا من المطر، ومن العجيب أنه يجلب الغذاء الى المستعمرة، فلا يضيع الطريق أو المستعمرة، ولا تفشل او تظل طريقها.
[18] نهج البلاغة: خ 185، 196.
[19] ظ: العين (مادة رزق): 5 / 89.
[20] ظ: مقاييس اللغة: 2 / 388.
[21] الواقعة / 82.
[22] الذاريات / 57.
[23] ظ: لسان العرب (مادة رزق): 3 / 1636.
[24] ظ: معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء: 229.
[25] ظ: المفردات في غريب القرآن: 1 / 257.
[26] ظ: الفروق اللغوية: 12.
[27] المقتضب: 3 / 161.
[28] ظ: معاني الأبنية في العربية: 95.
[29]لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 96-102.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2096 Seconds