من الفكر السياسي عند الإمام علي عليه السلام منهجه عليه السلام في مواجهة المارقين. الحلقة الخامسة: موافقة علي عليه السلام على شرط الهدنة التي نصت الصحيفة عليها.

مقالات وبحوث

من الفكر السياسي عند الإمام علي عليه السلام منهجه عليه السلام في مواجهة المارقين. الحلقة الخامسة: موافقة علي عليه السلام على شرط الهدنة التي نصت الصحيفة عليها.

371 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 11-09-2022

بقلم: د. جليل منصور العريَّض – الجامعة الأولى/ تونس

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

وبعد:
فقد نعي الخوارج على علي عليه السلام التزامه بفترة الهدنة التي نصت الصحيفة عليها ـ مما يعني من وجهة نظرهم ـ تساهله في طلب الحق، وقد بين لهم، أن سبب قبوله فترة الهدنة تلك، لا يعني تراخيه وفتوره عن مطالبة الحق، لكنه يعني افساح المجال للطرف المقابل في التفكير «ليتبين الجاهل ويثبت العالم، ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمة، ولا تؤخذ بأكظامها فتعجل عن تبين الحق»[1].

ولكن إسقاط الحكمين رغبتهما الذاتية في فحوى التحكيم، بعد فترة الهدنة أدى إلى توسيع هوة الخلاف بابتعادها عن مناقشة جوهر الخلاف الكامن فيما نصت عليه الوثيقة من شرط فحواه، جعل القرآن حكماً في ما اختلف الطرفان فيه. فكلا الحكمين قد جاء إلى مكان التحكيم حاملاً خلفيات مسبقة، لا تمت لقضية الخلاف بصلة. فوثيقة التحكيم لم تنص اطلاقا على مناقشة تغيير الخليفة، أو استحقاق الخلافة، ثم انها لا تخول الحكمين حق التثبيت والخلع، فأهل الشام كانوا قد بايعونا معاوية على الأخذ بالثأر من قتلة عثمان[2]، وكان ذلك مطلبهم حتى اليوم الذي توقف القتال فيه، مما يعني أن الخلاف الذي يجب أن يعرضه الحكمان على كتاب الله هو الحكم في (مقتل عثمان)، اما رغبة أبي موسى الاشعري في احياء سيرة عمر بن الخطاب[3]، ورغبة عمرو بن العاص في تثبيت معاوية حاكماً[4]، فذلك ـ من وجهة نظر علي عليه السلام  ـ خروج عن روح الصحيفة، ونبذ لكتاب الله بتحكيم الرغبات والأهواء[5] لذلك فليس ثمة خدعة فيما صدر عن الحكمين من حكم، فقد تكون الخديعة في توقيت ايقاف الحرب المفاجئ، وفي ترشيح أبي موسى الأشعري ممثلاً عن أهل العراق، وقد حاول علي عليه السلام  تلافي كل ذلك في ابانه، الا ان نتيجة التحكيم لم تكن مفاجئة بالنسبة لعلي عليه السلام  ولأصحابه المخلصين لعلمهم بدخيلة كلا الحكمين.

لقد أحدثت نتيجة التحكيم شرخاً عميقاً في صفوف رجال علي عليه السلام ، إلا انها لم تغير من موقفه الصلب تجاه معاوية في معاودة الكرة لإزالته ومن شايعه من القرشيين، لذلك فقد بذل كل ما في وسعه من جهد لإقناع الخوارج بالعودة إلى الجماعة، محاولاً توضيح ما وقعوا فيه من لبس بخلطهم بين مفهومي الحكومة والتحكيم. وجره ذلك إلى الدخول معهم في صراع فكري ثري وعميق، اتخذ مسارب متعددة يمكننا من خلالها استكناه فكره في محاربته لأهل الملة[6]، وحقيقة الكفر والايمان ومعنى التوبة[7]. ويبدو أن تلك المناظرات الفكرية قد بلغت من الاتساع الحد الذي ادى بالخوارج إلى اللجوء إلى تأويل آيات القرآن الكريم بما يتناسب وميولهم الفكرية، مما حد بعلي عليه السلام  إلى أن يوصي ابن عباس أثناء مناظرته مع الخوارج أن يعتمد على السنة دون القرآن بقوله «لا تخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمال، ذو وجوه، تقول ويقولون...، ولكن حاججهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا منها محيصا»[8]، وكاد ذلك الجدل أن يؤتى ثماره، حين عاد الخارجون عن الجماعة إلى صفوف أصحاب علي عليه السلام  بعد ان اقنعهم بالاستغفار والتوبة[9])[10].

الهوامش:
[1] خطب 125. والأكظام جمع كظم: مخرج النفس: والاخذ بالأكظام: المضايقة.
[2] راجع ابن مزاحم ـ صفين ص 32، 541 وما بعدها.
[3] المصدر السابق.
[4] المصدر السابق.
[5] راجع خطب 125.
[6] راجع المناظرات التي دارت بين الخوارج وعلي (عليه السلام) عند: السكوني: عيون المناظرات ص 169، 180، 181.
[7] المصدر السابق نفسه.
[8] رسائل ـ77.
[9] يقول ابن أبي الحديد 2/280: حاول علي (عليه السلام) أن يسلك مع الخوارج مسلك التعريض والمواربة من ذلك أنهم قالوا له: تب إلى الله مما فعلت، كما تبنا ننهض معك إلى حرب أهل الشام فقال لهم كلمة مجملة مرسلة، يقولها الأنبياء والمعصومون وهي قوله: استغفر الله من كل ذنب، فلم يتركه الأشعث، وجاء إليه مستفسراً وكاشفاً، وهاتكاً ستر التورية... ولم يستفسره عنها الا بحضور من لا يمكنه أن يجعلها معه هدنة على دخن... والجأه بتضييق الخناق عليه، أن يكشف ما في نفسه، فانتقض ما دبره وعادت الخوارج إلى شبهتها الأولى.
[10] لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور خليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 281-283.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2249 Seconds