مؤسسات الدولة وسياستها الإدارية في فكر الإمام علي عليه السلام: 1- الحكومة

مقالات وبحوث

مؤسسات الدولة وسياستها الإدارية في فكر الإمام علي عليه السلام: 1- الحكومة

976 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 09-02-2023

بقلم: د. جليل منصور العريَّض – الجامعة الأولى/ تونس

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

وبعد:
إذا كانت الدولة «هي البنية السياسية لما لها من عادات وتقاليد وبما تقتضيه من العلاقات بين الحكام والمحكومين»[1]، فإن الحكومة هي المؤسسة التي تنظم العلاقات داخل الدولة، فالدولة كيان موجود بالفعل، أما الحكومة كمؤسسة موجودة بالقوة للحاجة الماسة إليها[2].

وقد ورد مفهوم (حكومة) في نهج البلاغة بما لا يختلف عن مفهومها المتعارف عليه وان ورد استخدام الإمامة[3] في كثير من المواضع بدلاً من (الحكومة) بتسمية القائم بالأمر (إمام) عوضاً عن تسميته (حاكما) لما في معنى الإمامة من جمع بين شؤون الدنيا والدين، ولقد استوعب مفهوم الحكومة بكل مشمولاته مساحة واسعة من فكر علي عليه السلام ، فتحدث عن اهميتها، وعن مكانة الحاكم بالنسبة للدولة وعن الصفات التي يجب ان تتوفر فيه، وعن المسؤوليات المناطة بالحكومة.

فعن أهمية الحكومة ووجوبها ومسؤولياتها كان حديثه مع الخوارج[4]، أما عن أهمية الحاكم ومنزلته كقائد الدولة فيمثله قوله «مكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه»[5]، فمحاسبة مركز الحاكم في فكر علي دقيقة للغاية على اعتبار أنه قلب الأمة والخيط الجامع لها، ولخطورة ذلك المنصب بالنسبة لصلاح الامة، فقد كان علي حريصاً على صيانته عن كل ما يسيء. فلقد عرض عليه معاوية إقراره على ولاية الشام في سبيل عدم مقاومته والتأليب على سلطته فكان رده «حاشى لله ان تلي للمسلمين بعدي صدرا أو وردا أو اجري لك على احد منهم عقدا أو عهدا»[6]. فالتسلط ـ في فكر علي عليه السلام ـ لا يكسب صاحبه الشرعية في تولي رقاب الناس، مهما بغلت قوته، لأن الحاكم من وجهة نظره من يستطيع امتلاك زمام نفسه وينأى بها عن شهوة الامتلاك لغاية إشباع رغبة جامحة في استعباد الناس والتصرف في حقوقهم، ولن يتأتى ذلك إلا لمن تتوفر فيه مزايا يستطيع من خلالها مباشرة الحكم، ومن تلك المزايا يتولد الرضا عن الحكومة، لأن العلاقة بين الحاكم والمحكوم ليست علاقة قهر وانما هي علاقة تبادل حقوق، فالحاكم على هذا الأساس مثله مثل أي فرد في الدولة وليس متميزاً على أحد إلا بكونه يحمل من التبعات ما لا يستطيع غيره تحملها، فمن منظور علي الديني «إن الله تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيغ بالفقير فقره»[7]، فمسؤولية الحكومة في فكر علي عليه السلام تكمن في امرين اساسيين: اقامة الحق بمفهومه الإسلامي ودفع الباطل، فإذا لم تتمكن الحكومة من الوفاء بذينك الشرطين فلا قيمة لها ولا جدوى من ورائها «قال عبد الله بن عباس... دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام بذي قار، وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمة لها، فقال: والله لهي احب الي من امرتكم، الا ان اقيم حقاً أو ادفع باطلاً»[8]، وإقامة الحق ودفع الباطل تعنيان في مضمونهما ـ كما نعتقد ـ تنظيم العلاقات بين الافراد بأسلوب قويم ومحكم اساسه الحياة السعيدة لكل فرد من افراد الأمة، تقوم الحكومة بالتخطيط له ومن ثم تنفيذه، وذلك الأسلوب هو ما نعنيه بالسياسة)[9].

الهوامش:
[1] ما كيفر: تكوين الدولة ص 50.
[2] راجع ص 163 من هذا البحث.
[3] راجع مفهوم الإمامة ص 154 وما بعدها من هذا البحث.
[4] راجع ص 166 من هذا البحث.
[5] خطب 146، الفقرة 1.
[6] رسائل 65.
[7] خطب ـ 203، ويقدروا ـ يقيسوا، ويتبيغ ـ يهيج به ألم الفقر.
[8] خطب ـ33.
[9] لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور خليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 302-305.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2694 Seconds