اختيار الله للنبي (صلى الله عليه وآله) من بين أهل النور والحكمة

الملازمة بين النبي والوصي عليهما السلام

اختيار الله للنبي (صلى الله عليه وآله) من بين أهل النور والحكمة

189 مشاهدة

بقلم: محمد حمزة الخفاجي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
أولاً: قوله عليه السلام:
«ومَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ».
لا تزال الدنيا في ظلمات الجهل حتى يبعث الله أحد أنبيائه ليضيء به الدنيا، فهؤلاء الطيبون هم نور الله في أرضه لذا شبههم عليه السلام بالمصابيح، فكما أن المصباح يضيء ويهدي الناس إلى الطريق، كذلك الأنبياء والأولياء يهدون الناس إلى الحق، فهم نجوم الأرض.
روي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن قول الله عز وجل:
«﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ فقال: هو مثل ضربه الله لنا، فالنبي صلى الله عليه وآله والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين من دلالات الله وآياته التي يهتدى بها إلى التوحيد ومصالح الدين وشرائع الإسلام والفرائض والسنن، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»[1].
ولكي نعرف أهمية هذا المبعوث يجب علينا أن نطلع على أحوال العرب قبل مبعثه، فالناس قبل البعثة كانوا يعيشون بظلمات الجهل فلا يوجد مرشد يرشدهم وقد وصف أمير المؤمنين عليه السلام حال الدنيا قبل مبعثه (صلوات الله وسلامه عليه) كيف كانت كاسفة عابسة في وجه طالبها بلا ماء ولا طعام صالح. قال أمير المؤمنين عليه السلام:

«أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الأُمَمِ، واعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ، وانْتِشَارٍ مِنَ الأُمُورِ، وتَلَظٌّ مِنَ الْحُرُوبِ، والدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا، وإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا، واغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا، قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى، وظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لأَهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا، ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ، وطَعَامُهَا الْجِيفَةُ، وشِعَارُهَا الْخَوْفُ، ودِثَارُهَا السَّيْفُ»[2].
يروى في تاريخ الطبري أن المغيرة بن شعبة قال ليزدجر: (..فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالا منا وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات فنرى ذلك طعامنا وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم ديننا أن يقتل بعضنا بعضا ويغير بعضنا على بعض وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامنا فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله إلينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده فأرضه خير أرضنا وحسبه خير أحسابنا وبيته أعظم بيوتنا وقبيلته خير قبيلتنا وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا)[3].
منذ ان رفع عيسى عليه السلام إلى السماء لم يبعث الله نبياً حتى بُعث هذا النبي العربي فكان كالسراج المنير فمن نوره ازدانت الدنيا وظهر العدل، قال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه واصفا فيها نبي الرحمة:
«سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُه وشِهَابٌ سَطَعَ نُورُه وزَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُه سِيرَتُه الْقَصْدُ، وسُنَّتُه الرُّشْدُ وكَلَامُه الْفَصْلُ وحُكْمُه الْعَدْلُ، أَرْسَلَه عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وهَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ وغَبَاوَةٍ مِنَ الأُمَمِ»[4].
قال السيد الهاشمي: (شبهه عليه السلام بالسراج والشهاب والزند في كونه سبب هداية الخلق كما أنّ هذه الثلاثة كذلك، ورشح التشبيه الأول بلمعان الضوء، والثّاني بارتفاع النّور، والثالث ببروق اللَّمع، ويحتمل أن يكون وجه الشبه في الثالث إثارة أنوار الهداية)[5].
وعنه عليه السلام في وصف النبي ايضاً:
«حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ، وأَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ، وهُدِيَتْ بِه الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ والآثَامِ، وأَقَامَ بِمُوضِحَاتِ الأَعْلَامِ ونَيِّرَاتِ الأَحْكَامِ».
قال ابن منظور: (القَبَس النار والقَبَس الشُّعْلة من النار وفي التهذيب القَبَس شُعلة من نار تَقْتَبِسها من مُعْظَم واقْتِباسها الأَخذ منها وقوله تعالى: {بشهاب قَبَس} القَبَس الجَذْوَة وهي النار التي تأْخذها في طَرَف عُود وفي حديث عليّ (رِضوان الله عليه) (حتى أَوْرى قَبَساً لِقابِس) أَي أَظهر نُوراً من الحق لطالبه)[6].
(الخابط) الذي يتخبط وكأنه في ظلمات لا يكاد يرى شيئا وقد ضرب لنا الله ذلك في قوله:
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾[7].

فالنبي محمد صلى الله عليه وآله كالشعلة أضاء لهؤلاء المتخبطين، إذ نصب لهم علامات ودلائل يهتدون بها الطريق الصحيح قال تعالى:
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾[8].
ثانياً: قوله عليه السلام:
«ويَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ».
فكل الأنبياء والأوصياء والصديقين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) كانوا حكماء علماء قضاة، وهؤلاء الصفوة منهم تتفجر الحكمة كما يتفجر الماء من ينبوعه، قال تعالى:
﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾[9].
عن الإمام الباقر عليه السلام قال:
«... إنما الحجة في آل إبراهيم عليه السلام لقول الله عز وجل:
﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾[10]، فالحجة الأنبياء عليهم السلام وأهل بيوتات الأنبياء عليهم السلام حتى تقوم الساعة، لأن كتاب الله ينطق بذلك ووصية الله جرت بذلك في العقب من البيوت بعضها من التي رفعها تبارك وتعالى على الناس فقال:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾[11]، وهي بيوت الأنبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى)[12].
والحكمة كما وصفها لنا الإمام الصادق عليه السلام:
«.. ضياء المعرفة وميزان التقوى وثمرة الصدق، ولو قلت ما أنعم الله على عباده بنعمة أنعم وأعظم وأرفع وأجزل وأبهى من الحكمة، لقلت قال الله عز وجل:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[13]،[14].
وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله في بعض الأخبار:
«ان الله تعالى آتاني القرآن وآتاني من الحكمة مثل القرآن وما من بيت ليس فيه شيء من الحكمة الا كان خرابا»[15].
والعلة في اختياره سبحانه لهؤلاء الحكماء كي يدبروا أمر الرعية ويرشدونه إلى ما هو أصلح وأنصح لهم، قال النبي محمد صلى الله عليه وآله:
«قال الغلمان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال يحيى: ما للعب خلقنا! اذهبوا نصلي، فهو قول الله:
﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾[16].
وقال الإمام الصادق عليه السلام:
«سأل داود النبي سليمان عليهما السلام وأراد علم ما بلغ من الحكمة، قال: يا بني أخبرني أي شيء أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس، وعفو الناس بعضهم عن بعض لا شيء أبرد منه، قال: فأي شيء أحلى؟ قال: المحبة، هي روح الله بين عباده حتى أن الفرس ليرفع حافره عن ولده، فضحك داود عند إجابة سليمان عليه السلام.
والنبي فاق هؤلاء الحكماء فهماً وعلماً وكيف لا يكون أحكم الخلق وهو الذي فتح لعلي ألف باب من العلم من كل باب يفتح ألف باب، حتى صار أمير المؤمنين أعلم الخلق بعد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله.
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«بعثني رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) إلى اليمن قاضيا فقلت: يا رسول الله إنك ترسلني إلى قوم يسألونني ولا علم لي بالقضاء فوضع يده على صدري وقال إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا قعد الخصمان بين يديك فلا تقض حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء بعد»[17].

وسبحانه وتعالى حينما آتاهم الحكمة ذلك لما لهم من صفات تميزهم عن سائر الخلق فلا يكون الإنسان حكيماً إلا وفيه الكثير من الخير، فعن حماد بن عيسى قال:
«سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لقمان وحكمته، فقال: اما والله ما أوتي الحكمة لحسب ولا أهل ولا مال ولا بسطةٍ في الجسم ولا جمال، ولكنه كان رجلا قويا في امر الله، متورعا في دينه، ساكتا سكينا، عميق النظر، طويل التفكر، حديد البصر، لم ينم نهارا قط، ولم ينم في محفل قوم قط، ولم ينقل في مجلس قط ولم يعب أحدا بشيء قط، ولم يره أحد من الناس على بول ولا غائط قط، ولا اغتسال، لشدة تستره وعمق نظره وتحفظ لذنوبه، ولم يضحك من شيء قط، ولم يغضب قط مخافة الاثم في دينه، ولم يمازح إنسانا قط، ولم يفرح لشيء أوتيه من الدنيا، ولا حزن على ما فاته منها قط، وقد نكح النساء وولد له الأولاد الكثيرة وقدم أكثرهم افراطا له، فما بكى عند موت واحد منهم، ولم يمر برجلين يختصمان أو يقتتلان الا أصلح بينهما، ولم يسمع قولا من أحد استحسنه إلا سأل عن تفسيره وخبره عمن اخذه. وكان يكثر مجالسه الحكماء والاختلاف إلى أهلها، ويتواضع لهم ويغشى القضاة والملوك والسلاطين، فيرثي للقضاة بما ابتلوا به، ويرحم الملوك والسلاطين لعدتهم واغترارهم بالله وطمأنينتهم إلى الدنيا وميلهم إليها وإلى زهرتها، فيتفكر في ذلك ويعتبر به ويتسلم ما يغلب به نفسه ويجاهد به هواه ويحترز به من الشيطان، وكان يداري نفسه بالعبر وكان لا يظعن الا فيما ينفعه، ولا ينطق الا فيما يعنيه فبذلك اوتى الحكمة ومنح العصمة. .. وكان لقمان يكثر زيارة داود عليه السلام وكان داود يقول: يا لقمان أوتيت الحكمة وصرفت عنك البلية»[18].
فإن كان لقمان بهذه الصفات الطيبة فكيف بنبي الرحمة وهو الجامع لجميع الفضائل والمكرامات التي حوتها الرسل لذا صار رسول الله صلى الله عليه وآله أحكم الناس([19]).

الهوامش:
[1] التوحيد، الشيخ الصدوق، ص157.
[2] نهج البلاغة الخطبة: 89.
[3] تاريخ الطبري، محمد بن جرير الطبري، ج3، ص18.
[4] الخطبة: 94، منها في وصف رسول الله واهل بيته.
[5] منهاج البراعة، حبيب الله الخوئي الهاشمي، ج7، ص111.
[6] لسان العرب، ج6، ص61.
[7] النور: 40.
[8] المائدة: 15.
[9] النساء: 54.
[10] النساء: 54.
[11] النور: 36.
[12] الكافي، الشيخ الكليني، ج8، ص119.
[13] البقرة: 269.
[14] مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة، المنسوب للإمام الصادقj، ص198.
[15] التفسير الصافي، ج1، ص299.
[16] العلم والحكمة في الكتاب والسنة، محمد الريشهري، ص431.
[17]   الطبقات الكبرى، ابن سعد، ج2، ص337.
[18] قصص الأنبياء، قطب الدين الراوندي، ص194 – 196.
([19]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الشجرة النبوية في نهج البلاغة، للباحث محمد حمزة الخفاجي، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص75 – 79.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1166 Seconds