من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة: قوله (عليه السلام): عَظُمَتْ منّته

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة: قوله (عليه السلام): عَظُمَتْ منّته

352 مشاهدة

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل – الجامعة المستنصرية

((الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:
قوله عليه السلام (حَمِدْتُ من عَظُمَت مِنّته)
عَظُم الشَّيءُ عِظَماً فهو عظيمٌ، وعَظُمَ الأَمْرُ عَظَامَةً[1]. وعَظُمَ الشَّيءُ «عِظَماً وعَظَامَةً... وعَظْمُ الشَّيء ومُعْظَمُه: سَوَاء... وما يُعْظِمُني فِعْلُه - ويَعْظُمُني أَيضاً - أَي: ما يَهُوْلُني»[2].
وقال الرَّاغب: «... وعَظُمَ الشَّيء أَصلُهُ: كَبُرَ عَظمُهُ، ثُمَّ استعير لكلِّ كبير، فأُجري مجراه محسوساً كان أَو معقولاً، عيناً كان أَو معنىً. قال: (عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الزمر/ 13]، (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ) [ص/ 67]، (عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النــَّبَإِ الْعَظِيمِ) [عمّ/ 1- 2]، (مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [الزخرف/ 31]» [3].
وورد الفعل (عَظُمَ) في الخطبة مرَّة واحدة، مطابقاً دلالته اللُّغوية؛ إذ قال أَمير المؤمنين (عليه السلام): «حَمِدْتُ مَنْ عَظُمَتْ مِنـَّتُهُ»، وصيغة (فَعُلَ) لا يكون مضارعه إلاَّ مضموماً، وأَكثر ما يكون في الغرائز والطِّباع والخصال، واشترطوا في هذا الوزن أَنْ يكون لازماً، فإنْ ضُمِّن معنى التَّعدِّي كُسِر[4]. و(عَظُمَ) في الخطبة جاء مبنيّاً للمجهول، مبنيّاً على الفتح، والتَّاء تاء التَّأْنيث السَّاكنة لا محلَّ لها من الإعراب، و(منَّتُه) نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَّاهرة على آخره، وهو مضاف، والهاء ضمير متَّصل مبنيٌّ على الضَّمِّ في محلِّ جرٍّ بالإضافة عائد إلى الله ــ تبارك وتعالى ــ وجملة (عظمت منَّته) صلة الموصول (مَنْ) لا محلَّ لها من الإعراب، وأَراد أَمير المؤمنين (عليه السلام) به ـ أَي: الفعل ـ أَنْ يبيِّن عظيمَ منَّة الله ــ تبارك وتعالى ــ، وإحسانه لديه.
ويسبِّح العبدُ ربَّه، فيقول: «سبحان ربِّي العظيم الَّذي جاوز قدره، وجلَّ عن حدود العقول حتَّى لا تُتصوَّر الإحاطة بكنهه وحقيقته»[5].  والعظيم من صفات الله ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ وقيل: (العظيم) بمعنى المعظَّم، والعظيم معناه العظيم الشَّأن، وهذا قول الطَّبرسيّ[6]. وذكر الزَّجَّاجيّ أَنَّ العظيم ذو العظمة والجلال في ملكه وسلطانه ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ [7].[8].

الهوامش:
[1]. ينظر: العين: 1/104 و105.
[2]. المحيط في اللغة 1/83. وينظر: المحكم والمحيط الأعظم 1/224.
[3]. مفردات ألفاظ القرآن: 573.
[4]. ينظر: المصباح المنير 2/1065، وأوزان الفعل ومعانيها 29و30.
[5]. ينظر: لسان العرب 12/409.
[6]. ينظر: مجمع البيان 3/301.
[7]. ينظر: اشتقاق أسماء الله (للزجاجي) 111، وألفاظ العقيدة والشريعة في نهج البلاغة – دراسة ومعجم – (رسالة ماجستير) 68.
[8]لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 30 –31.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1378 Seconds