اتقان العمل واجب تربوي وأخلاقي

سلسلة قصار الحكم

اتقان العمل واجب تربوي وأخلاقي

266 مشاهدة

الباحِث: سلام مَكِي خضَيّر الطَّائِيّ.
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الخلق والمرسلين، أبي القاسم مُحَمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهِرين، واللعن الدَّائم على أعدائِهم إلى قيامِ يوم الدِّين...
أمَّا بعد...
فإن اتقان العمل يُعد من الأولويات الأخلاقية التَّربوية للفرد، ومن الواجبات الشرعيَّة المترتّبة على الفرد نفسه، التي جاءت الشريعة الإسلاميَّة حافلة بها.
فمن تتبَّع سور القرآن الكريم وجدها تحتوي على عددٍ غير قليل من الآيات القرآنيَّة التيّ تحثّ على العمل الصَّالح واتقانه، فقال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾[1]، فهنا يأمر الله تعالى عباده ويحثَّهم على العمل الصَّالح، الذيّ سيُعرض عليه سبحانه يوم الورود.
 وبالإضافة إلى ذلك: أنَّ من تتبَّع الأحاديث االمرويَّة عن النَّبيّ الأكرم مُحَمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وآل بيته الأطهار (عليه السَّلَام)، يجدها أيضًا قد أُتحفت بمادةٍ غزيرة من الأحاديث الدَّالة على العمل الصَّالح وإتقانه، وذلك لأنّه من أحبّ أعمال العباد عند الله تعالى، هو اتقان الفرد لعمله، واتمامه بأحسن وجه، من دون خلل ولا ملل أو كلل، سواء كان هذا العمل واجب على الفرد واجبًا شرعيًّا أو أخلاقيًّا أو مستحبًّا، وهذا ما روي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (إنَّ الله تعالى يحبّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه)[2].
وأيضًا إنَّ أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) نصَّ على اتّقان العمل من كلّ جوانبه، وذلك لأن الناس سترحل لا محالة الصَّالح منهم والطَّالح، ولا يبقى للمرء فقط العمل الذي عمله، فطوبى لمن عملًا صالحًا، وجعله أن يكون ذخيرة له، وعلامة تدلّ عليه، لأنَّه خير ما يبقى لمن رحل إلى الدَّار الآخرة العمل الصَّالح والسّمعة الطَّيِّبة المتأتّية من جراء اتقانه لعمله[3]، وما يتوّج كلامنا هذا ما ورد عنه (عليه السَّلَام) إنَّه قال: (إنَّما يُستَدَلُّ عَلَى الصّالِحينَ بِما يُجرِي اللهُ لَهُم عَلى ألسُنِ عِبادِهِ، فَليَكُن أحَبُّ الذَّخائِرِ إلَيكَ ذَخيرَةَ العَمَلِ الصّالِحِ)[4].
فأحيانًا يعمل الفرد عملًا ما، فهذا العمل تذهب لذته وتزول، ولكن تبعاته وآثاره السّلبية تبقى، وقد تكون تبعاته لها آثار نفسيَّة، بل ممكن تترتب عليها آثار شرعيَّة، وقد يؤثم على فعله لهذا العمل، وأحيانًا يعمل الفرد عملًا ويتقنه بجدٍ ويراعي في حرمة العمل وأخلاقياته، ويدرك ماهي الأمور الشَّرعيَّة التي تترتب عليه قبل كل شيء، فهذا العمل نعم تذهب مؤنة، لكن يبقى أثره وأجره مستمرًّا ولن يزول، فهنا نلاحظ فرقًا شاسعًا بين العمل الذي يترك آثارًا سلبيَّة والعمل الذي يترك آثارًا إيجابيَّة، فروي عن أمير المؤمنين الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام) أنَّه قال: (مَا بَيْنَ عَمَلَيْنِ: عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُه وتَبْقَى تَبِعَتُه، وعَمَلٍ تَذْهَبُ مَئُونَتُه ويَبْقَى أَجْرُه)[5]، أي: إنَّ من عمِلَ عملًا وأتقنه وكان يريد فيه وجه الله تعالى، فأجره يكون مستمرًا من دون انقطاع ولا توقّف.
آثار التقصير بالعمل:
إنّ التقصير في كلّ عمل للدّنيا أو الآخرة موجب للهمّ بالنسبة إليه، لأنّ التقصير سبب لحدوث الخلل في العمل ونقصانه وعدم اتقانه، فلا يحصل منه الغرض المقصود ولا الفائدة المرجوة، فتنتج عن هذا التقصير آثار سلبية تنعكس على شخصيّة الفرد، فيورث الهمّ له والغم والحزن[6]، فروي عن الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) إنَّه قال: (مَنْ قَصَّرَ فِي الْعَمَلِ ابْتُلِيَ بِالْهَمِّ)[7].
وقد يكون الهمّ الذي أصاب الفرد جرَّاء تقصيره اتقان العمل، مخصوصًا بالمؤمنين أصحاب اليقين، والاعتقاد الصحيح، فإنّهم إذا قصروا في العمل ابتلوا بالهمّ، فأمَّا غيرهم من المسرفين على أنفسهم وذوي النّقص في اليقين والاعتقاد، فإنّه لا همَّ يعروهم حتَّى وإن قصروا في العمل وفي اتقانه، وهذه الكلمة تكون قد جربناها على أنفسنا فوجدنا مصداقها واضحًا، وذلك أننا مثلًا إذا أخل بفريضة الظّهر مثلًا حتَّى تغيب الشّمس وإن كان أخلّ بها لعذر وجد ثقلًا في نفسه وكسلًا وقلة نشاط، وكأنّه مشكول بشِكال أو مقيد بقيد ومهموم بهم، حتى يقضى تلك الفريضة الواجبة عليه، فتراه قد رجع إلى وضعه النَّفسي الطَّبيعيّ وزال همُّه وغمُّه[8].
فممكن أن يقول قائل: إنَّ التَّقصير في العمل الواجب وجوبًا شرعيًّا وعدم مراعاة حرمة اتقانه يبتلي الفرد بالهمّ، وهذا الابتلاء قد يكون عقوبة مترتّبة عليه[9].
وفي الختام: قد بيَّنا شيئًا مختصرًا عن اتقان العمل وآثاره، ونسأل الله تعالى القبول والتوفيق إلى مرضاته، بنبيّه وحبيبه وصفيّه مُحَمَّد وآله الغررّ (عليه وعليهم أفضل الصَّلَاة والسَّلَام) إنَّه سميعٌ مُجيب...
الهوامش:
[1] سورة التوبة: 105.
[2] الجامع الصَّغِير، جلال الدِّين السّيوطي: 1/284.
[3] ينظر: الأثر العربي في أدب سعدي الشيرازي (دراسة أدبية نقديَّة)، د.أمل كامل إبراهيم: 294.
[4] الخير والبركة في الكتاب والسُّنَّة، محمَد الرّيشهري: 124.
[5] نهج البلاغة، خطب الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام) تحقيق: صبحي الصَّالح: 490.
[6] ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، حبيب الله الهاشمي الخوئي: 21/194.
[7] معارج نهج البلاغة، عليّ بن زيد البيهقي: 423.
[8] يُنظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: 18/316.
[9] يُنظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، حبيب الله الهاشمي الخوئي: 21/194.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 11.8340 Seconds