المعايير التربوية في فكر الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، الزّهد أنموذجًا

سلسلة قصار الحكم

المعايير التربوية في فكر الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، الزّهد أنموذجًا

108 مشاهدة

الباحِث: سَلَام مَكيّ خضَيّر الطَّائِي

الحمدُ لله ربّ العالمين، والصَّلَاة والسَّلَام على أشرف الخلق والمُرسَلِين، أبي القاسم مُحَمَّدٍ وآله الطَّيِّبين الطَّاهِرِين، واللعن الدائم على أعدائِهم إلى قيام يوم الدِّين...
أمَّا بعد:
فإنَّ المعايير التربوية والأخلاقية في فكر الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، لا تحد بحدود ويُحصى عددها، فمنها: (الزّهد)، قال الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) في وصيّته لولده الإمام الحَسَن المُجْتَبى (عليه السَّلَام): (أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وأَمِتْه بِالزَّهَادَةِ)[1].
الزّهد في اللغة: جاء في مفهوم (الزّهد) عند اللغويين: الزهد: خلاف الرّغبة، تقول: "زهد في الشيء وعن الشيء، يزهد زهدا وزهادة، وزهد يزهد لغة فيه، وفلان يتزهّد، أي: يتعبَّد، والتزهيد في الشيء وعن الشيء: خلاف التَّرغيب فيه، والمزهد: القليل المال"[2].
نفهم من كلام الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام): (... وأمته بالزّهادة) وهو محور حديثنا، عن طريق المعنى اللغوي لمفردة (الزّهد)، هو: تقليل ما يرغب في حصوله من الرَّغبات الدّنيويَّة والابتعاد عن زخارف هذه الدّنيا وعدم الغرور بها، لأنَّها أشياء زائلة وبالية، فالإمام (عليه السَّلَام) يوصي ولده الإمام الحَسَن المُجتَبَى (عليه السَّلَام) ليس أنّه (عليه السَّلَام) محتاج إلى وصيةٍ ليلتزم بها، بل هذا ليكون قدوة للمؤمنين المقتفين لأثر النَّبيّ (صلَّى الله تعالى عليه وآله) ولأثر آل بيته الأطهار (عليهم السَّلَام)، وأن يسيروا على النَّهج التربوي والأخلاقي لأهل بيت رَسُول الله (صلَّى الله تعالى عليه وعليهم)، وأن يميتوا قلوبهم بالزّهد والورع عن شهوات ورغبات الدُّنيا الزَّائلة، وذلك لما في الزّهد من حفاظ على سلامة القلب وتهذيب للنَّفس البشرية المطمئنَّة وعدم تلوثها، قال الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام): (الزّهد: تقصير الآمال، وإخلاص الأعمال)[3]، لو تأملنا هذه المعاني لعلمنا أن الزهَّاد إنما كانوا طريقاً إلى الله، لأنهم حازوا على صفة من صفات الأولياء، بل أعظم صفة يتصف بها المؤمن، لأن الإنسان بطبعه طويل الأمل حريص على الدّنيا كما أخبر عن ذلك الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقوله: ((يشيب ابن آدم ويشب فيه خصلتان الحرص وطول الأمل))[4]. والزّهد خلافهما ولا يملك الإنسان هذه الصفة إلاّ بجهاد مرير وتفكر طويل سواء في غاية الخلق أو في سيرة الماضين والاعتبار من أحوالهم وأخبارهم، فإن قدر على ترويض نفسه على قصر الأمل واجهته مشكلة أخرى ليصبح زاهداً وهي الإخلاص في العمل[5]. وهناك بعض الآيات المباركة والأحاديث والروايات الشريفة، لو أمعن النظر أحدنا فيها وجدها قد نصَّت وأكَّدت على هذا الأمر والالتزام به، قال الله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾[6].
وروي عن أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) أنَّه قال: (من لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزّهد بطرفيه)[7]، فإنَّا نفهم من الآية المباركة وكلام الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام): أن من لم يندم على ما مضى ولا يحزن عليه ولا يُعير له أهمية ولا يتأسف عليه، ولا يفرح بما لديه أو بما أتى له ولا يصيبه الغرور به، فهذا أمسك بكلا طرفي الزّهد. وإنَّ أصل الزَّهد هو حُسن الظّن والاعتقاد القويّ وحُسن الرّغبة فيما يقدر الله تعالى ويقسمه للعبد وما يأتيه منه سبحانه والاقتناع به، فروي عن أمير المؤمنين (عليه السَّلَام): (أصل الزّهد حُسن الرّغبة فيما عند الله)[8].
وقبل أن نتطرق إلى آثار الزّهد على الإنسان المؤمن، ولنعرف حقيقة الزّهد لئلَّا يختلط على الإنسان مفهومها بالرّهبانيَّة وغيرها[9]، إذ قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (الزّهادة في الدّنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك)[10]. إذًا الزهد الذي يلزم على المؤمن التَّحلّي به هو تلك الملكة النَّفسيَّة الباعثة على الرّغبة فيما عند الله تعالى دون سواه[11].
محاسن الزّهد وآثاره: فبما أنَّ الزّهد يُعَدَّ من المعايير التربوية والأخلاقيَّة الإسلاميَّة، فلا بدّ من أن تكون له محاسن وآثارٌ تنتج عنه، فمنها ما ترجمه الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) في قوله: (حسن الزهد من أفضل الإيمان وحسن الرغبة في الدنيا تفسد الإيقان)، وقوله (عليه السَّلَام): (خير النَّاس من زهدت نفسه وقلّت رغبته وماتت شهوته وخلص إيمانه وصدق إيقانه)[12].
إن تعبيره (عليه السَّلَام) عن الزّهد: بأنَّه أفضل الإيمان وأن الزَّاهد هو خير النَّاس، وذلك أنَّ الطَّمع والرّغبة في الدّنيا والرّكون إليها وجعلها الغاية يتنافس إليها المتنافسون، يفسد الإيمان ويعطل الأحكام ولا يكون السير إلاّ على غير طريق، بل هو الانحراف الحقيقي فإنَّ الله (تعالى ذكره) عندما فلق الدنيا لم يجعلها دار قرار ولذا لا تجد الرَّاغب فيها إلَّا كطالب سراب أو كالشَّارب من بحر أجاج، كلما شرب منه ازداد عطشاً، ولا يعني ذلك أن على المؤمن أن يترك الدنيا وما فيها مطلقاً ليكون زاهدًا، بل على العاقل أن يميز بين الطَّريق والغاية فإذا أيقن الإنسان أن الدنيا ممره إلى الآخرة فلا يتزود من طريقه إلَّا بما يحتاجه إلى غايته ومقصده وهذا هو الاعتدال حقًّا وإلى هذه الحقيقة العظيمة[13]، قد أشار الإمام (عليه السَّلَام) بقوله: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً)[14].
فهذا هو مفهوم الزُّهد الذي يشير إليه أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) في وصيته الخالدة، فإنَّ الفهم الحقيقي له يؤدي إلى الاتّعاظ والعمل به؛ لئلا يصل غرور الإنسان بما يملك من مالٍ، أو جاهٍ، حيث يكون أسيرًا له فيبتعد عن الله تعالى.[15]
وفي الختام أن الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله تعالى على سيِّدنا مُحَمَّدٍ وآلهِ الطَّيِّبين الطَّاهِرِين...
الهوامش:
[1] نهج البلاغة: 392، تحقيق: صبحيّ الصَّالح.
[2] الصحاح، الجوهري: 2/481.
[3] عيون الحكم والمواعظ، عَلِيّ بن محمَّد الليثي الواسطي: 21.
[4] الوافي، الفيض الكاشانيّ: 5/890.
[5] رسالة في التعريب بعد الهجرة، الشيخ قاسم محمَّد مصري العامليّ: 204-205.
[6] سورة الحديد:23.
[7] عيون الحكم والمواعظ: 459.
[8] مسنَد الإمام عَلِيّ (عليه أفضل الصَّلَاة والسَّلَام)، السَّيِّد حسَن القبانجي: 1/136.
[9] الملامح التربوية في نهج البلاغة وصيَّة أمير المؤمنين (عليه السَّلَام) لولده الحَسَن (عليه السَّلَام) أنموذجًا: 54.
[10] ميزان الحكمة، محمَّد الريشهري: 2/1168.
[11] رسالة في التعريب بعد الهجرة: 205.
[12] الخير والبركة في الكتاب والسّنَّة، محمَّد الرّيشهري: 128.
[13] رسالة في التعريب بعد الهجرة: 206.
[14] مستدرك الوسائل، ميرزا حسين النوري الطبرسي: 1/146.
[15] الملامح التربوية في نهج البلاغة: 55.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0972 Seconds