الشروط القيادية المتوفرة في قمر العشيرة العباس بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)

مقالات وبحوث

الشروط القيادية المتوفرة في قمر العشيرة العباس بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)

766 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 15-08-2021

بقلم: محمد حمزة الخفاجي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
كان العباس كاشف كرب اخيه الحسين، والمحامي عن عياله، والذاب عن حرمه، قد توافرت في شخصيته جميع المؤهلات القيادية.
فلو اتينا الى هذه الشروط التي ذكرها الامام لمالك الأشتر (رضوان الله تعالى عليه) واستعرضناها في شخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) سنجدها مطابقة طبق الأصل مع قمر العشيرة لذا اتبع الامام الحسين وصايا ابيه في اختيار القائد.

المقصد الأول: (النصح) .
قوله (عليه السلام): «فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ، أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لله ولِرَسُولِه ولإِمَامِكَ».
نصح: نَصَحَ الشيءُ: خَلَصَ، والناصحُ: الخالص من العسل وغيره، وكل شيءٍ خَلَصَ، فقد نَصَحَ[1].
ومن المجازَ قولُهم رجُلٌ ناصحُ الجَيْبِ: نَقِيُّ الصَّدْرِ ناصِحُ القلب، لا غشَّ فيه، والنُّصْحُ: الاجتهادُ في المَشُورَةِ، وقد يستعار فيقال: فلانٌ ناصحُ الجَيْبِ، أَي ناصِحُ القَلْبِ، ليس في قَلْبه غِشٌّ، وقيل: ناصحُ الجَيبِ مثل قولهم: طاهرُ الثَّوْب[2].
فالنصح يعني الإخلاص، والاخلاص نقيض الغش، وعلى هذا الأساس اختار الإمام الحسين (عليه السلام) أنصح أهل بيته وأصحابه.
وقد جاء في زيارة المولى ابي الفضل التي تروى عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال في حق عمه العباس: «اشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل»[3].
فالعباس بن علي نصح لله ولرسوله ولأمير المؤمنين ولفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) بل بالغ في النصيحة.
قال الإمام الصادق (عليه السلام) في الزيارة نفسها: «وأشهد أنك قد بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المجهود».
فقد بالغ قمر العشيرة في نصحه وجهاده حتى نال رضا الله والمعصومين (عليهم السلام)، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من ضمن لي خمسا اضمن له الجنة: النصيحة لله عز وجل والنصيحة لرسوله، والنصيحة لكتاب الله، والنصيحة لدين الله، والنصيحة لجماعة المسلمين)[4].

وقال الصادق في الزيارة نفسها ايضاً: «أشهد لَقَدْ نَصَحْتَ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأخِيكَ فَنِعْمَ الاَخُ المُواسِي»، فقد شهد لمجهود العباس في النصح أئمة كرام وحجج أطهار، قال تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ﴾[5]، ويعني النصح لله الطاعة له سبحانه والاخلاص في عبادته وتجنب نواهيه، والدعوة اليه في السر والعلانية.
ومن نصح نفسه ونصح الاخرين كان أعظم الناس عند الله، ومن الأحاديث الشريفة الأخرى التي تبين فضل المناصحة قوله (صلى الله عليه وآله): «إن أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه»[6].
والناصح يكون ذا نفع لذا صار من خيار الناس لأنه يدعو الى ترك الباطل والاستقامة والحرص على عمل الخير لذا صار أحب الخلق الى الله سبحانه.
عن النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، قال: قال الله (عز وجل): «أحب ما تعبد لي به عبدي النصح لي»[7].
فهذا هو نهج الأنبياء والأولياء والصالحين فهم أنصح العباد، والعباس بن علي قد سار على نهج الحق فكان (عليه السلام) من أنصح العباد.

تنقسم المناصحة الى قسمين:

- مناصحة قولية:
وقد ورد أن العباس بالغ في النصيحة وأعطى غاية المجهود لأنه (عليه السلام) لم يترك حجة على القوم فقد نصح الناس وبالغ في نصحهم.
ولما أراد القوم أن يهجموا على معسكر الإمام ارسله الإمام الحسين ليتفاوض معهم، وهذا ايضا شاهد على أنه (عليه السلام) من الناصحين لله ولرسوله وأهل بيته.
 كذلك حينما أراد العباس (عليه السلام) أن يستقي للحسين وعياله الماء، فحينما وصل العلقمي قام بنصحهم وتذكرتهم، فلم يزيدهم نصحه الا تعنتاً لأن الله طبع على قلوبهم وسمعهم وابصارهم فهم لا يفقهون كلام المولى.
ولم يبرز من معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) من أصحاب الإمام أو من أهل بيته الا ونصح القوم، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾[8]، فكل هذه المناصحة تسمى مناصحة قولية.

- المناصحة الفعلية:
أما المناصحة الفعلية، فكان للعباس دور كبير منها أنه (عليه السلام) لم يرتضِ بأمان ابن زياد، كذلك مآثره، كتقديم اخوته للقتال وتضحيته وكل ما جرى على ابي الفضل من مصائب تسمى مناصحة فعلية ([9]).


[1] لسان العرب، ج2، ص615.
[2] تاج العروس، ج4، ص231.
[3] كامل الزيارات،  جعفر بن محمد بن قولويه، ص440.
[4] روضة الواعظين، الفتال النيسابوري، ص424.
[5] التوبة: 91.
[6] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج16، ص382، ح5.
[7] الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، عبد العظيم المنذري، ج2، ص577.
[8] هود: 34.
([9]) لمزيد من الاطلاع ينظر: صناعة القائد في فكر الإمام علي عليه السلام، للباحث محمد حمزة الخفاجي، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 79 – 83.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1321 Seconds