اختلاف المهاجرين والأنصار في محل دفن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) !؟(1)

مقالات وبحوث

اختلاف المهاجرين والأنصار في محل دفن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) !؟(1)

499 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 04-10-2021

الحلقة الأولى: حقيقة الاختلاف وتدخل الرواة في صناعته.   

بقلم: السيد نبيل الحسني.

 قال الحافظ السيوطي (المتوفى 911هـ) : (لما توفي رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] أشرأب النفاق ، وارتدت العرب ، وانحازت الأنصار ، واختلفوا أين يدفن رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] فما وجد عند ذلك من أحد علم(2).
فأراد أهل مكة من المهاجرين: ردهُ إليها لأنها مسقط رأسه وبلده الذي ولد فيه(3).
وأراد أهل المدينة من الأنصار: دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته ومدار نصرته(4) .
وأرادت جماعة: نقله إلى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء(5) .
وقال آخرون: بل بمسجده(6) .
وقال غيرهم: بل بالبقيع(7).
ثم اتفقوا على دفنه !! فدفنوه بحجرته حيث قبض(8).
وقد أشار السيوطي إلى أن مرّد ذلك هـو قـول أبـي بكر : سمعت رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] يقول : «ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه»(9).

والرواية ترشد الى بعض المسائل ، منها:
المسألة الاولى: ما هي حقيقة الاختلاف بين الصحابة في دفن النبي (صلى الله عليه واله وسلم)؟
لا شك حينما يقرئ المسلم هذه الرواية فانه سيشعر بالاسى والالم لما الم بالصحابة من المهاجرين والانصار في اختلافهم الى هذا المستوى في دفن رسول الله وسيفكر مليا فيما حدث ويبحث عن الاسباب.
فهل حقا حدث هذا الامر المحزن ام لا واذا كانوا قد اختلفوا في دفن النبي الى هذا المستوى فكيف سيكون حالهم في غيره من امور الامة وقيام الاسلام ؟
ونقول:
ان الرواية على الرغم ما تصرخ به من الم واثارتها لكثير من الاسئلة إلا أنها صيغة بعناية كبيرة لهدف محدد سيمر بيانه لاحقا ولكنها فضلا ذلك فهي تثير كثير من الاسئلة _كما اسلفنا _ وهي كالاتي:
أولا: لماذا تركهم النبي دون وصية ، بل لماذا لم يوصِ هو بحاله من امور تجهيزه وتغسيله والصلاة عليه وليمنع في هذه الوصيه هذا الخلاف الذي وقع بين المهاجرين والانصار ، فاما انه اوصى فيكون هذا الخلاف بين الصحابة لا اساس له من الصحة وبه يتضح كذب الذين قالوا انه لم يوص.
واما انه لم يوص فنشا هذا الخلاف بين المهاجرين والانصار في موضع دفن رسول الله الى هذا المستوى  

 ثانيا: لا أدري ما الذي فعله النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم للمهاجرين والانصار حتى أراد البعض منهم نقل جثمانه إلى فلسطين ودفنه في بيت المقدس وكأنه نبي من انبياء بني إسرائيل .
ثالثا : أين أهله وعشيرته!؟ أين بنو هاشم وبنو عبد المطلب أين عمه العباس ! وأين علي أمير المؤمنين عليه السلام !؟ 
لماذا غيبوا عن الحدث !؟ وكأن النبي الأعظم ليس من العرب ولا تربطه بهم روابط القرابة والعشيرة .
 رابعا : ما الذي جعلهم يتفقون على دفنه بعد هذا الاختلاف الكبير !؟.. وكيف تسنى لهم اختيار حجرة النبي صلـى الله عليه وآله وسلم محلاً لدفنه .. هل أوحي إليهم ، أم إن أحد ملكهم برأيه واستجمع قلوبهم بقوله !؟
خامسا: قول الحافظ السيوطي : فما وجد عند ذلك من أحد علم ، فقال أبو بكر : سمعت رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] يقول : « ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه »(10). يؤكد أن الرواية صيغة بعناية كبيرة !؟
     لأنها :
1- أرادت أن تصف أبا بكر بأنه رجل المرحلة وصاحب الحلول في الأمور المعضلة ، لا سيما معضلة دفن النبي الأعظـم (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى لو كان على حسـاب  المهاجريـن والأنصار حيث أراد بعضهم بنقله إلى بيت المقدس .
2- تفرد أبي بكر بسماعه لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – فيما يتعلق بدفن الأنبياء – دون أحد من الناس بحيث : (لم يوجد أحد عنده علم بذلك) غير موضوعي .
 وخاصةً إن هذا التفرد يفتقر إلى كثير من النصوص التي تعاضده فتأكد هذا المعنى ، مثلما تضافرت النصوص في اختصاص علي أمير المؤمنين عليه السلام بعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
3- هذه الرواية عند أهل الحديث من ( الآحاد ) وفيها قال البزار : هذا الكلام لا نعلم رواه عن النبي [صلـى الله عليه وآله وسلم] إلا أبو بكر(11).
4- هذه الرواية ضعيفة لوجود ( الحسين بن عبد الله ) وقد ضعفه يحيى بن معين ، وتركه أحمد بـن حنبـل ، وقـال النسائي : متروك الحديث( 12 ).
بل السؤال الذي يفرضه البحث هل كان أبو بكر حاضر عند وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) كي يصدق قول الراوي : (فما وجد عند ذلك من أحد علم)؟

يتبع في المقال القادم.[13]

الهوامش:
(1) تفسير القرطبي : ج4 ص224 ط دار الشعب ، مجمع الزوائد للهيثمي: ج9 ص33 ، مصباح الزجاجة للكناني : ج2 ص57 ط دار العربية ، سنن ابن ماجة : ج1 ص520 ط دار الفكر ، المصنف لابن أبي شيبة : ج7 ص428 ، مسند البزار : ج1 ص71 ط مؤسسة علوم القرآن ، زوائد الهيثمي : ج2 ص885 ط مركز  خدمة  السنة ، مسند إسحاق بن راهوية : ج3 ص738 ط مكتبة الإيمان بالمدينة ، مسند أبي يعلي الموصلي : ج1 ص31 ط دار المأمون ، البيان والتعريف للحسيني : ج2 ص195 ط دار الكتاب العربي ، شرح الزرقاني ، ج2 ص92 ط دار الكتب العلمية ، تنوير الحوالك للسيوطي : ج1 ص 180 ط المكتبة التجارية ، فيض القدير للمناوي : ج5 ص465 ط المكتبة التجارية ، الطبقات الكبرى لابن سعد ج2 ص292 ط دار صادر بيروت ، التمهيد لابن عبد البر : ج2 ص396 ط وزارة عموم الأوقاف ، وجاء فيه : إنهم انشغلوا عنه صلى الله عليه وآله وسلم بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة فنظروا فيها . سمط النجوم العوالي : ج2 ص250 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : ص81-82 ، الجوهرة للبري : ج2 ص96 ط دار الرفاعي ، تاريخ مختصر الدول لابن عربي ص95 ط المطبعة الكاثوليكية .          
(2) سمط النجوم العوالي : ج2 ص250 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص81-82 ، الجوهرة للبري : ج2 ص96 ط دار الرفاعي .
(3) تاريخ مختصر الدول لابن عربي : ص95 ط المطبعة الكاثوليكية ، تاريخ
مختصر الدول لابن عربي : ص95 ط المطبعة الكاثوليكية تاريخ الخلفاء
للسيوطي : ص81-82 ، أخبار الدول للقرماني : ج1 ص270 .  
(4) تاريخ مختصر الدول لابن عربي : ص95 .
(5) أخبار الدول للقرماني : ج1 ص270 ، تاريخ مختصر الدول : ص95 ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : ص81-82 .
(6) سنن ابن ماجة : ج1 ص  ط مؤسسة علوم القرآن ، مصباح الزجاجة : ج2 ص57 .
(7) أخبار الدول : 270 ، تاريخ السيوطي : 81-82 .
(8) تاريخ مختصر الدول لأبن عربي : ص95 ، أخبار الدول للقرماني : ج1 ص270 ، تاريخ السيوطي : ص81-82 .
(9) سمط النجوم العوالي : ج2 ص250 ، تاريخ السيوطي : ص81-82 ، أخبار الدول للقرماني : ج1 ص270 . 
(10) تاريخ السيوطي : ص81-82 ، سمط النجوم العوالي : ج2 ص250 ، أخبار الدول للقرماني : ج1 ص270 .
(11) مسند البزار : ج1 ص130 برقم 61 ط مؤسسة علوم القرآن بيروت .
(12) الكامل في ضعفاء الرجال للجرجاني : ج2 ص349 ط دار الفكر بيروت ؛ وجاء فيه : (( ثنا أبو يعلى ثنا جعفر بن مهران السباك ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق وحدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عبن بن عباس قال : - وساق الحديث - )) . 
[13] لمزيد من الأطلاع ينظر : وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) وموضع روضته وقبره بين أختلاف أصحابه واستملاك أزواجه، تأليف السيد نبيل الحسني، أصدار ونشر العتبة الحسينية المقدسة – قسم الشؤون الفكرية ، ط1 مؤسسة الأعلمي – بيروت لسنة 2014م

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1571 Seconds