أكثر الناس استبشاراً ببيعة الإمام علي (عليه السلام) هم المستضعفون

مقالات وبحوث

أكثر الناس استبشاراً ببيعة الإمام علي (عليه السلام) هم المستضعفون

498 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 12-12-2021

بقلم: د. جليل منصور العريَّض – الجامعة الأولى/ تونس

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.
وبعد:
يستنتج من وصف علي (عليه السلام) لبيعته أن أكثر الناس استبشار بها، الطبقات المستضعفة من المسلمين الذين وجدوا فيه الضامن لحقوقهم من غير محاباة لقريب أو تمييز بين مسلم وآخر بالأسبقية والصحبة، كما كانت استجابة الامصار الإسلامية لبيعته سريعة فيما عدا الشام[1] التي كانت تحت ولاية معاوية، مما يدحض القول بأن اكتفائه ببيعة الثوار واهل المدينة دون سائر الامصار هو السبب في عدم الاعتراف بخلافته[2] فالقضية التي كانت تشغل علياً (عليه السلام) وتقلقه، ليست بيعة الأمصار ـ كما نرى ـ ولكن كيفية التعامل مع رجال السياسة من الصحابة وغيرهم من علية القوم، الذين يرون لأنفسهم احقية التفضل ماديا ومعنويا على غيرهم من افراد الامة، خاصة ان سياسته التي اعلن عنها، في خطبته الأولى، بعد المبايعة له لا تتناسب وطموحات تلك الفئة فقوله «ان الله سبحانه انزل كتاباً هادياً، بين فيه الخير والشر، فخذوا الخير تهتدوا، واصدفوا عن سمت الشر تقصدوا... الفرائض الفرائض ادوها إلى الله تؤد بكم إلى الجنة، ان الله حرم حراماً غير مجهولٍ واحل حلالاً غير مدخولٍ»[3]. يعني الغاء الامتيازات والمفاضلة، والالتزام التام بالعمل بما جاء في الكتاب والسنة والمساواة التامة بين جميع المسلمين في الحقوق والواجبات، لأن الإسلام مسؤولية التزامية، تعني اندماج طبقات المجتمع، في كل متكامل يزيل التمايز ويعطي لكل حق حقه، وذلك بالطبع لا يرضي أصحاب الطموحات المادية من القرشيين الذين يريدون خليفة يحافظ على امتيازاتهم ومكاسبهم أو على الأقل يترك لهم في ايديهم ما جنته من مغانم واستأثرت به من مال على حساب المستضعفين باسم الصحبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والقرابة منه، ولكن تصميم علي (عليه السلام) على تجريد أولئك مما غنموه من أموال وضياع من غير استحقاق[4]، والمحاولة من حد اطماعهم جعلهم يتألبون عليه ويحرضون الناس على محاربته لعرقلة سياسته تلك، وقد استخدموا شتى الوسائل للوصل  إلى غايتهم من ذلك:
ـ مطالبتهم إياه بالاقتصاص من قتلة عثمان في حينه، أي بعد توليه الخلافة مباشرة، لإدراكهم ان ذلك لا يمكن تحقيقه الا بعد ان تهدا النفوس وتنجلي الحقيقة[5].
ـ التغاضي عما حققه الأمويون من مكاسب على حساب المسلمين أثناء حكم عثمان وهو ما لا يتسق والسياسة الدينية التي ترى الحق حقاً، والباطل باطلاً، مما جعله يرفض مطالبهم في اقراره لهم ما جنوه من اموال في حكم عثمان مقابل اقرارهم بالولاء له[6]، ومحاولة طرف ثان جنى مكاسب مادية على حساب الاقرار له بالخلافة كطلب طلحة والزبير الولاية[7]، وطلب معاوية اقراره على ولاية الشام[8] وهو ما يتعارض في اختيار ولاته ممن يرتضيه لدينه، لذلك لما يئس أولئك من حصولهم على ما يبتغون لجأوا إلى الحل المسلح علهم يدركون من علي (عليه السلام) ما لم يدركوه منه بالاحتيال «فنكثت طائفة ومرقت اخرى، وقسط آخرون»[9].
وقد تتبعت نصوص (نهج البلاغة) الفئات الثلاث التي ذكرها علي (عليه السلام) في خطبته السابقة وهي: الناكثون والقاسطون والمارقون[10].

الهوامش:
[1] راجع موضوع: تفريق علي (عليه السلام) عماله على الامصار بتاريخ الطبري 4/442، وراجع أيضاً ابن أعثم الكوفي 2/ 435 وما بعدها.
[2] يقول شلبي أبو زيد في كتابه: الخلفاء الراشدون ص 156 «لم ينتظر علي (عليه السلام) حتى بايعه أهل الامصار ظنا منه ان بيعة أهل المدينة والثوار كافية في جعل أهل الامصار يعترفون بخلافته» وقد تناسى المؤلف ان الخلفاء الراشدين الثلاثة قد انعقد لهم البيعة وصحت خلافتهم ببيعة أهل المدينة، كما انه تجاهل في تحليله للأحداث ان جميع الأمصار الإسلامية قد ارسلت ببيعها للخليفة في المدينة فيما عدا الشام.
[3] خطب ـ 168، فقرة 1.
[4] راجع مقولته في رد قطائع عثمان ـ خطبة 15.
[5] راجع مقولته في ذلك خطب 169.
[6] راجع ص 257 من هذا البحث وما بعدها.
[7] راجع ص 253 من هذا البحث وما بعدها.
[8] راجع ص 270 من هذا البحث.
[9] خطب 3.
[10] لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور خليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 242 – 245.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1610 Seconds