الممسوخات وسببها في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)

مقالات وبحوث

الممسوخات وسببها في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)

335 مشاهدة

الباحث: علي فاضل الخزاعي
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولاه ، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله الأطهار، سبل النجاة والعروة الوثقى.
أما بعد.
فلا شكّ بأنّ غضب الله تعالى على الإنسان له أسبابه، منها الإشراك والكفر به؛ فمن أكبر الذّنوب التي تؤدّي إلى غضب الله على الإنسان أن يُشرك بالله بالقول أو العمل.  أو ارتكاب الإنسان للمَعاصي والذّنوب الكبيرة التي حرّمها الله سبحانه والمجاهرة بالذّنوب والمعاصي؛ أو عدم اعترافهم بمن نصبهم الله عز وجل خلفاء لخلقه، وجحدهم للولاية التكوينية وهي ولاية أمير المؤمنين وحججه على الخلق أجمعين.
ومن الصور التي يغضب بها الله عز وجل على من يفعل مثل هكذا معاصي، هي تحويلهم الى ممسوخات.
والمسخ: تحويل خلق عن صورته[1] الى ما هو أقبح منها، يقال: مسخه الله قردا[2]، والمسوخ جميعها لم تبق أكثر من ثلاثة أيام ثم تموت ولم تتوالد وهذه الحيوانات على صورها، سميت مسوخا على الاستعارة[3]. وسبب هذه الممسوخات هو أن أناساً في الأمم الماضية ارتكبوا بعض المخالفات التي خالفوا بها أنبياءهم وأصروا على تلك المخالفات فمسخهم الله تبارك وتعالى على بعض الحيوانات الخبيثة، والذي يمسخ لا يعيش إلا أياماً ثلاثة أو أقل أو أكثر ثم يهلكه الله، فكل من مسخ على شكل حيوان من الحيوانات يقال لذلك الحيوان ممسوخ، فالمسوخية لها أسم مستعار مجازي، والحقيقة انها مثل الممسوخ، والممسوخات كلها قد حرم الله أكل لحمها لما فيها من الخبث والمضار، ولئلا يستهان بعقوبة الله عز وجل[4].
وهي على أنواع مختلفة منها ما هو طائر ومنها زاحف ومنها يقفز ومنها ما هو يولد ومنها ما هو يبيض،  وقد أعطت الشريعة الإسلامية الغراء علامات وقواعد ثابتة للمحرمات والمحللات من الحيوانات والطيور والبيض والسمك، فبالنسبة إلى الحيوانات يقولون مثلاً ما كانت تحيض أنثاه فأكله حرام وإلا فلا، وبالنسبة إلى الطيور ما كان زفيفه أثناء الطيران أكثر من رفيفه (أي انه عند طيرانه يزف بجناحيه أكثر) فأكله حرام وإلا فلا، وبالنسبة إلى البيض ما لم يكن له طرفان (أي انه مدور كالكرة) فأكله حرام وإلا فلا، وبالنسبة إلى السمك ما لم يكن له فلس فأكله حرام وإلا فلا[5].
فعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن المسوخ؟ فقال: هم ثلاثة عشر: الفيل، والدب، والخنزير، والقرد، والجريث، والضب، والوطواط، والدعموص، والعقرب، والعنكبوت، والأرنب، وسهيل، والزهرة.
فقيل يا رسول الله وما كان سبب مسخهم؟ فقال: أما الفيل فكان رجلا لوطياً لا يدع رطباً ولا يابساً، وأما الدب فكان مؤنثاً يدعو الرجال إلى نفسه، وأما الخنازير فقوماً نصارى سألوا ربهم انزال المائدة عليهم، فلما اُنزلت عليهم كانوا أشد ما كانوا كفراً وأشد تكذيباً، وأما القردة فقوم اعتدوا في السبت، وأما الجريث فكان رجلا ديوثاً يدعو الرجال إلى حليلته، وأما الضب فكان رجلا أعرابياً يسرق الحاج بحجته، وأما الوطواط فكان رجلا يسرق الثمار من رؤوس النخل، وأما الدعموص فكان نماماً يفرق بين الأحبة، وأما العقرب فكان رجلا لذاعاً لا يسلم على لسانه أحد، وأما العنكبوت فكانت امرأة تخون زوجها، وأما الأرنب فكانت امرأة لا يتطهر من حيض ولا غيره، وأما سهيل فكان عشاراً باليمن، وأما الزهرة فكانت امرأة نصرانية وكانت لبعض ملوك بني إسرائيل وهي التي فتن بها هاروت وماروت، وكان اسمها ناهيل والناس يقولون ناهيد)[6].
وخير دليل على معرفة المسوخ ومواضع مساكنها وكيف تولد هو ما حدث بين أمير المؤمنين (عليه السلام)، والجري بحضور صحابة أمير المؤمنين ليبين أمير المؤمنين (عليه السلام) عاقبة من يكفر بالله ويجد ولاية محمد وعلي وآله (عليهم أفضل الصلاة والسلام) وهذا من دلائل الإمامة؛ فعن الأصبغ بن نباتة قال: جاء نفر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالوا: أن المعتد يزعم أنك تقول إن هذا الجري مسخ فقال مكانكم حتى اخرج إليكم فتناول ثوبه، ثم خرج إليهم ومضى حتى انتهى إلى الفرات بالكوفة فصاح يا جري فأجابه لبيك لبيك، قال: من أنا؟ قال: أنت إمام المتقين وأمير المؤمنين (عليك السلام)، قال: من أنت؟ قال: أنا ممن عرضت عليه ولايتك فجحدتها، ولم أقبلها فمسخت جريا، وبعض هؤلاء الذين كانوا معك يمسخون جريا.
فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): بين ضيعتك وفيمن كنت ومن كان معك، قال: نعم يا أمير المؤمنين كنا  أربعا وعشرين طائفة من بني إسرائيل قد تمردنا وطغينا واستكبرنا وتجبرنا وسكنا المفاوز رغبة منا في البعد من المياه، والأنهار فأتانا آت وأنت والله أعرف به منا يا أمير المؤمنين فجمعنا في صحن الدار، وصرخ بنا صرخة فجمعنا في موضع واحد وكنا مبددين في تلك المفاوز والقفار، فقال لنا: ما لكم هربتم من المدن والمياه والأنهار وسكنتم هذه المفاوز؟ فأردنا نقول لأننا فوق العالم تكبرا وتعززا، فقال لنا: قد علمت ما في نفوسكم فعلى الله تتعززون؟ فقلنا له: بلى فقال: أليس قد أخذ عليكم العهد لتؤمنن بمحمد بن عبد الله الملكي؟ قلنا: بلى، قال: وأخذ عليكم العهد بولاية وصيه وخليفته بعهده وبعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فسكتنا فلم نجب بألسنتنا وقلوبنا، ونياتنا لا تقبلها، فقال: لا أو تقولون بألسنتكم، فقلناها بأجمعنا بألسنتنا وقلوبنا ونياتنا: لا نقبلها، فصاح بنا صيحة، وقال لنا: كونوا بإذن الله مسوخا، كل طائفة جنسا، و يا أيتها القفار كوني بإذن الله انهارا وتسكنك هذه المسوخ وتتصل بحار الدنيا وأنهارها حتى لا يكون ماء الا كانوا فيه فمسخنا ونحن أربعة وعشرون جنسا فصاحت اثنا عشر طائفة: منا أيها المقتدر علينا، بقدرة الله عليك الا ما أعفيتنا من الماء، وجعلتنا على ظهر الأرض، قال: قد فعلت: فقال أمير المؤمنين: هيه يا جري بين ما كان الأجناس الممسوخات البرية والبحرية، فقال: أما البحرية فنحن: الجري، والسلاحف، والمرماهي، والزمار، والسراطين، والدلافين، وكلاب الماء، والضفادع، وبنات نقرس، والغرمان والكوسج، والتمساح، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): هيه، والبرية؟ قال: نعم، الوزغ، والخفاش، والكلب، والدب، والقرد والخنازير، والضب،  والحرباء، والورل، والخنافس، والأرنب، والضبع. قال أمير المؤمنين: فما فيكم من خلق الإنسانية وطبائعها؟ قال الجري: أقوامنا والبعض لكل صورة وخلق، وكلنا تحيض مثل الإناث. قال أمير المؤمنين صدقت أيها الجري، وحفظت ما كان، قال الجري: يا أمير المؤمنين هل من توبة؟ فقال (عليه السلام): للأجل المعلوم وهو يوم القيامة والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين. قال الأصبغ بن نباتة: فسمعنا والله ما قال ذلك الجري ووعيناه وكتبناه وعرضناه على أمير المؤمنين (عليه السلام) فصح والله لنا ومسخ من بعض القوم الذين حضروا جريا فكان هذا من دلائله (عليه السلام)[7].
وختاما نستجير بالله من غضب الله وغضب رسوله وآل بيته (عليهم الصلاة والصلاة) وأخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين ونسأله الشفاعة بحق محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.
الهوامش:
[1] - العين، الخليل الفراهيدي، 4/206.
[2] - الصحاح، الجوهري: 1/431.
[3] - ينظر: مجمع البحرين، فخر الدين الطريحي: 2/443.
[4] - ينظر، الشفاء الروحي، عبد اللطيف البغدادي: 329.
[5] - ينظر: المصدر نفسه: 330.
[6] - الخصال، الشيخ الطوسي: 494؛ بحار الأنوار، المجلسي: 62/224؛ جامع أحاديث الشيعة، البروجردي: 23/131.
[7] - الهداية الكبرى، الخصيبي، 157-158.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1287 Seconds