من الفكر السياسي عند الإمام علي عليه السلام منهجه عليه السلام في مواجهة القاسطين / الحلقة الثانية: كبح جماح الأمويين

مقالات وبحوث

من الفكر السياسي عند الإمام علي عليه السلام منهجه عليه السلام في مواجهة القاسطين / الحلقة الثانية: كبح جماح الأمويين

355 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 18-05-2022

بقلم: د. جليل منصور العريَّض – الجامعة الأولى/ تونس

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

وبعد:

لقد حاول الأمويون كبح جماح رغباتهم في فترة صدر الإسلام، وان لم يخفوا بعض تطلعاتهم التي كانت تصطرع في نفوسهم، فعثمان بن عفان وهو من الصحابة السابقين الأولين الذين دخلوا الإسلام طواعية وعن اقتناع، قد جاء إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) هو وجبير بن مطعم[1] لما قسّم (صلى الله عليه وآله) سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني عبد المطلب، فقال له «يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، أرأيت بني عبد المطلب؟ أعطيتهم ومنعتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة»[2]، ونحن إذ نورد هذا الشاهد لا نشك في اخلاص عثمان للإسلام وبذله الأموال الطائلة في سبيل إعلاء كلمته ولكن مبادرته الرسول (صلى الله عليه وآله) بذلك القول تعني التماس السؤدد بالإندماج فيمن خصهم الرسول (صلى الله عليه وآله) بالخمس من ذوي قرباه.

لقد فقد الأمويون كل امتيازاتهم التي كانوا يتمتعون بها في الجاهلية بعد دخولهم الإسلام كرها فعدوا من الطلقاء، بعد ان سن عليهم الرسول (صلى الله عليه وآله) يوم الفتح[3]، ولا بد أن يكون ذلك قد ترك أثراً عمياقاً في نفوسهم، وإن حاولوا اضماره والاندماج في المجتمع الجديد، كما حاول الرسول (صلى الله عليه وآله) بدوره استلال النقمة من نفوسهم بتألفهم بالمال، فأعطى أبا سفيان من غنائم حنين «مائة بعير وأربعين أوقية، كما أعطى سائر المؤلفة قلوبهم وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية»[4]، كما استعمل (صلى الله عليه وآله) منهم في بعض اعماله من ارتضى دينه ووثوقه من حسن اسلامه مثل إبان بن سعيد بن العاص[5] الذي ولاه (صلى الله عليه وآله) البحرين بعد أن «عزل عنها العلاء ابن الحضرمي»[6]، وبعث خالد بن سعيد بن العاص[7] عاملاً على صدقات اليمن ولم يزل على عمله حتى توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واستعان بعثمان بن عفان على كتابة الوحي[8] وبخالد بن سعيد ومعاوية بن أبي سفيان في كتابة حوائجه[9]، كل ذلك ـ على ما نعتقده ـ في سبيل تأليف نفوس الأمويين، وادماجهم ي الحياة الجديدة، فخبت طموحاتهم بعض الشيء وإن كانت لتظهر من الشاذين منهم على شكل تصرفات عدائية بقصد الاستهزاء بالإسلام، الإساءة إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) بسبب عدم مقدرتهم على التفاعل مع القيم الإنسانية التي حطت من مكانهم الاستعلائية لتفضل عليهم من كانوا عبيداً وسوقة من الفقراء، وذوي الأنساب الخاملة. فعبد الله بن أبي السرح أخو عثمان في الرضاعة، قد ارتد مشركاً وكان من كتبة الوحي «وصار إلى قريش بمكة فقال لهم: إني كنت أصرف محمداً حيث أريد، كان يملي علي عزيز حكيم، فأقول: أو عليم حكيم؟ فيقول: نعم، كل صواب»[10]، وقد أهدر الرسول (صلى الله عليه وآله) دمه يوم الفتح لو لا الحاح عثمان بالشفاعة فيه[11]. ومن ذلك أيضاً طَرْدَه (صلى الله عليه وآله) الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس من المدينة، بسبب محاولته إيذاء الرسول (صلى الله عليه وآله) بالاستهزاء عليه، وتصنته على بيوته ونقل اخباره «إلى كبار أصحابه من مشركي قريش وسائر الكفار والمنافقين»[12])[13].

الهوامش:
[1] جبير بن مطعم من حلماء العرب وساداتهم، يؤخذ عنه النسب لقريش وللعرب قاطبة، كان له عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) يد، وهو أنه كان أجار رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما قدم من الطائف حين دعا ثقيفاً إلى الإسلام، وكان أحد الذين قاموا بنقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم وبني عبد المطلب، وكان إسلامه بعد الحديبية، وقبل الفتح، توفي سنة سبع وخمسين من الهجرة ـ ابن الأثير: أسد الغابة 1/323.
[2] أبو عبيد: الأموال 341.
[3] سموا بالطلقاء نسبة إلى قول رسول الله يوم الفتح في السنة الثامنة «يا معشر قريش ويا أهل مكة، ما ترون إني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم، ثم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء»، سيرة ابن هشام 4/55، تاريخ الطبري 61 ـ المسعودي ـ مروج الذهب 2/297.
[4] ابن عبد البر ـ الاستيعاب بهامش الإصابة 2/190.
[5] إبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، اسلم قبل خيبر وشهدها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان شديداً على رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمسلمين قبل إسلامه، اسلم بعد أن عرف حقيقة النبي (صلى الله عليه وآله) من راهب بالشام واستعمله الرسول (صلى الله عليه وآله) على البحرين، وكان أحد من تخلف عن بيعة أبي بكر لينظر ما يصنع بنو هاشم، فلما بايعوا بايع، اختلف في سنة وفاته، فقيل سنة اثنتي عشر وقل سنة اربع عشرة بعد الهجرة... وقيل توفي سنه تسع وعشرين. أسد الغابة 1/47.
[6] أسد الغابة 1/47.
[7] خالد بن سعيد بن العاص، من السابقين الأولين في الإسلام لم يتقدم عليه في ذلك سوى علي (عليه السلام) وأبو بكر وزيد بن حارثة وسعد بن أبي وقاص، هاجر إلى الحبشة فيمن هاجر إليها من المسلمين، شهد مع النبي (صلى الله عليه وآله) بعض غزواته، وبعثه عاملا على صدقات اليمن، ولم يزل بها حتى توفي الرسول (صلى الله عليه وآله) فرجع وأخواه عمرو وإبان عن أعماهلم، وتاخروا عن بيعة أبي بكر حتى بايعت بنو هاشم، استشهد في وقعة اجنادين سنة ثلاث عشرة من الهجرة ـ أسد الغابة 2/98.
[8] راجع الجهشياري ـ الوزراء والكتاب ص 12.
[9] السابق.
[10] أسد الغابة 3/259.
[11] المصدر السابق نفسه.
[12] الاستيعاب بهامش الإصابة 1/317، وراجع ترجمته هناك أيضاً.
[13] لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور خليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 259- 262

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1552 Seconds