كاشفية خطاب الإمام علي عليه السلام عن عقائد العرب قبل الإسلام الحلقة الثالثة: اعتقادهم بأن الجن والإنس يتزاوجون وسريان هذا الاعتقاد عند المذهب المالكي.

مقالات وبحوث

كاشفية خطاب الإمام علي عليه السلام عن عقائد العرب قبل الإسلام الحلقة الثالثة: اعتقادهم بأن الجن والإنس يتزاوجون وسريان هذا الاعتقاد عند المذهب المالكي.

454 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 25-08-2022

بقلم: السيد نبيل الحسني الكربلائي

تدل كثير من النصوص على بيان نفوذ اعتقاد العرب بالجن إلى الحد الذي يشير إلى أن الجن قد صحبوا الإنسان العربي في الجزيرة مصاحبة يومية ودخل معه في أغلب أمور حياته.
فمن استعانة الكهنة بهم في معرفة ما غُيّب عنهم من الأخبار، إلى التودد لهم بطقوس خاصة لنيل رضاهم أو دفع شرهم، إلى كونهم ملهمين للشعراء في نظم أشعارهم، لينتهي الأمر بالمعاشرة والتزاوج فيما بين الإنس والجن.

بل لقد تطورت العلاقة فيما بين العالمين الإنسي والجنّي إلى الصور الغرامية التي تحدث عنها التاريخ كمجنون ليلى، وجميل بثينة، وعنتر وعبلة ليفوقها في كثير من القصص، فقد زعم العرب (إنّ الجنون من الجن، والمجنون هو الذي صرعته الجنية - عشقاً وغراماً - والمجنونة هي التي صرعها الجنّي، وإنما يكون ذلك عن طريق العشق والهوى وشهوة النكاح؛ والشيطان إذا عشق المرأة ينظر إليها عن طريق العجب بها، فتكون نظرته أشد عليها من الحمّى، وعين الجان أشد من عين الإنسان) ([1]).

والظاهر: أنّ العشق الذي يقع من الجني للإنسية أو من الجنية للإنسي هو حب قاتل لا ذنب للإنسان به فهو يعاقب على أمر لم يقترفه فيسلب منه عقله فيصبح مجنونا أو مجنونة! والغريب في الأمر سريان هذا المعتقد الى يومنا هذا، ومما يدل عليه:
1- إقرار بعض التفاسير الإسلامية بوجود التزاوج فيما بين الجن والإنس.
ولعل التفاسير الإسلامية لا تخلو من صور عديدة تتحدث عن هذه العلاقة فيما بين الإنس والجن، فقد ذكر ابن كثير عن الحسن البصري في بيان قوله تعالى:
{إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} [النمل/23].
قال: هي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ، وقال قتادة: كانت أمها جنّيّة وكان مؤخر قدميها مثل حافر الدابة من بيت مملكة) ([2]).

وقال القرطبي في قوله تعالى:
{مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [النحل/72].
وقال تعالى:
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة/128].
أي من الآدميين، وفي هذا رد على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوج الجن وتباضعها، حتى روى أن عمرو بن هند تزوج منهم غولاً وكان يخبّئها عن البرق؛ لئلا تراه فتنفر، فلما كان في بعض الليالي لمع البرق وعاينته السعلاة، فقالت: عمرو! ونفرت فلم يرها أبداً ([3]).

2- اعتقاد مالك بن أنس وفقهاء المالكية بالتزاوج بين الجن والإنسان.
بل: إننا لنجد أن هذه المسألة أخذت حيزها عند بعض فقهاء المسلمين وأئمة المذاهب، فقد ذهب إمام المالكية مالك بن أنس حينما سئل عن التزاوج فيما بين الجن والإنس، وقد قيل له: (ها هنا رجل من الجنّ يخطب إلينا جارية يزعم أنه يريد الحلال فقال:
ما أرى بذلك بأساً في الدين، ولكن أكره إذا وجدت امرأة حامل قيل لها من زوجك؟ قالت: من الجن، فيكثر الفساد في الإسلام بذلك) ([4]).

وقد أوغل الدسوقي المالكي في المسألة، ففصل فيها قائلاً:
 (ولو رأت امرأة في اليقظة من جنّي ما تراه من إنسي من الوطء واللذة أو رأى الرجل في اليقظة أنه جامع جنّية، قال ابن ناجي: الظاهر أنه لا غسل على الرجل ولا على المرأة.
وقال (ح) ([5]): الظاهر أنه لا غسل عليهما ما لم يحصل إنزال أو شك فيه؛ لأن الشك في الإنزال يوجب الغسل كما تقول الحكماء، وأنهم أجسام نارية لهم قوة التشكل؛ ولقول مالك بجواز نكاح الجن، وجوب الغسل على كل من الرجل والمرأة وإن لم يحصل إنزال ولا شك فيه، ووافقه على ذلك تلميذه (عج) قال، شيخنا، وهو التحقيق) ([6]).
وعليه: فأن هذا الاعتقاد قد سرى في حياة الإنسان المسلم مما يكشف عن أن الأنسان العربي قبل الإسلام لم يكن يتعامل مع الجن والشياطين على الوهم، فقد وصل به الحال إلى العلاقة الزوجية، هذه العلاقة التي استمرت لفترات زمنية بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وظهور المذاهب الإسلامية وما تبعهم من تلاميذ وفتاوى ما زال المالكية يحتكمون إليها في مذهبهم وتعبدهم الشرعي.

إذن: تبقى هذه العلاقة بين الجن والإنس قائمة إلى يوم القيامة، وإن تفاوتت الرؤى والأفكار والثقافات، ولعل كثيراً من هذه العلاقات هي أنشط وأعمق بكثير مما كانت عليه في السابق؛ إذ أصبح الإنسان لا يهاب الشياطين ولا ترهبه الجنّ لاسيما وأن القران قد خصهم ببعض الآيات، بل وسمى الله عزوجل أحد سوّر القرآن بهم، وخصهم بالأحكام والتكاليف، وفي طاعتهم ومعصيتهم وتكاليفهم يقول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام):
«الْحَمْدُ لِلَّه الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، والْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٍ خَلَقَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِه، واسْتَعْبَدَ الأَرْبَابَ بِعِزَّتِه وسَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِه، وهُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَه، وبَعَثَ إِلَى الْجِنِّ والإِنْسِ رُسُلَه، لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا ولِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا، ولِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا ولِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا، ولِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وأَسْقَامِهَا، وحَلَالِهَا وحَرَامِهَا، ومَا أَعَدَّ اللَّه لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ والْعُصَاةِ، مِنْ جَنَّةٍ ونَارٍ وكَرَامَةٍ وهَوَانٍ، أَحْمَدُه إِلَى نَفْسِه كَمَا اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِه، وجَعَلَ{ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً }، ولِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلًا ولِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً».[7]
أما مسألة التزاوج بين العالمين المختلفين أي عالم الأنس والجن وما يترتب عليها من مصاديق خارجية فهو مما يحتاج إلى دراسة مستقلة[8] .

الهوامش:
([1]) البيان والتبين للجاحظ: ج6، ص87.
([2]) تفسير ابن كثير: ج3، ص373.
([3]) تفسير القرطبي: ج10، ص142.
([4]) الأساطير والمعتقدات العربية: ص93.
([5]) هكذا وردت في المصدر ولم أعثر على القائل.
([6]) حاشية الدسوقي: ج1، ص128.
[7] نهج البلاغة، الخطبة: 183 ص265 بتحقيق صبحي الصالح.
[8] لمزيد من الاطلاع ، ينظر : أثر الميثولوجيا العالمية في تكوين عقائد العرب قبل الإسلام ، السيد نبيل الحسني ، ص98 – 102 ، ط  العتبة الحسينية المقدسة 2022م

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2179 Seconds