مؤسسات الدولة وسياستها الإدارية في فكر الإمام علي عليه السلام: 1- الدولة

مقالات وبحوث

مؤسسات الدولة وسياستها الإدارية في فكر الإمام علي عليه السلام: 1- الدولة

1K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 07-01-2023

بقلم: د. جليل منصور العريَّض – الجامعة الأولى/ تونس

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

وبعد:
قد يتبادر إلى الأذهان ونحن نقرأ في (نهج البلاغة) بأن المفاهيم: دولة وحكومة وسياسة، تعني في مجملها معنى واحداً، لذلك لابد لنا من الوقوف عند كل مفهوم من المفاهيم الثلاثة على حدة.

الدولة:
تمكن النبي صلى الله عليه وآله  سنة 622 ميلادية من وضع أسس الدولة الإسلامية، في مجتمع متجانس، أساس المواطنة فيه المؤاخاة بين أفراده، فالرسول صلى الله عليه وآله وإن لم يؤثر عنه أي تعريف لمفهوم الدولة، الا انه بالإمكان استنتاج مثل ذلك من الخطوات العملية التي باشرها بحيث نستطيع القول بأن دولة الرسول صلى الله عليه وآله قد خلقت مجتمعاً قوياً تمكن من نشر الإسلام في فترة قصيرة جداً بفضل التجانس البشري الكامن من أخوة الإسلام والإخلاص الصادق الذي انبنت عليه تلك الاخوة، ولكن ذلك التجانس قد بدأ في التداعي جراء الثروات المتدفقة بغزارة على ذلك المجتمع بعد الفتوحات الإسلامية العظيمة، فأخذت الطبقية في التبلور. ولم تكن مقولة عمر بن الخطاب، بعد ان عرضت عليه غنائم فارس، وفيها من أطايب الأطعمة التي لم يخبرها العرب من قبل «يا معشر المهاجرين والأنصار ليقتلن منكم الابن أباه والأخ أخاه على هذا الطعام»[1]، والا احساس صادق بقرب ذلك. فقد تسلم علي عليه السلام مقاليد الدولة الإسلامية، وهي في طريق الانهيار لافتقاد المسلمين روح المؤاخاة، أساس المواطنة الإسلامية ويرجع سبب ذلك إلى الاتجاه المادي البحت، ونجوم النعرة القبلية ثانية بعد ان خمدت وكادت جذوتها تنطفئ.

تسلم علي عليه السلام مقاليد الدولة الإسلامية في السنة الخامسة والثلاثين هجرية، بعد تفكر عميق، وأخذ ورد[2]، لإحساسه بثقل مسؤولية اعادة بناء النسيج الداخلي من جديد، لأن التصور الواضح للدولة في فكر علي عليه السلام ـ طبقا لنصوص النهج ـ هو الرجوع بالمواطنة داخل المجتمع الإسلامي إلى النهج الذي اختطه الرسول صلى الله عليه وآله. فلقد دخل علي عليه السلام الكوفة سنة ست وثلاثين هجرية وهي مقسمة إلى اسباع، بحسب الانتماء القبلي، والرابطة الاقليمية التي اختطها سعد بن أبي وقاص في السنة السابعة عشرة هجرية، حين باشر بتمصيرها[3]، هذا بالإضافة إلى غير العرب من المسلمين وغيرهم الذين استوطنوها، مما يعني في طياته افتقاد المواطنة الإسلامية داخل المجتمع الكوفي، الذي يمكن اعتباره صورة مصغرة للمجتمع الإسلامي. فالتكتل الطبقي بين سكانها أعاد المؤاخاة الإسلامية فيها إلى ولاء قبلي، بالامتثال للزعامة القبلية ولرؤساء العشائر، فكان علي عليه السلام إذا ما أراد للدولة أن تستمر كما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله لها والإسلام أن ينتشر، أن يقوم بإعادة بناء هيكل المواطنة المثالي بمجانسة أفراد المجتمع المتنافر عن طريق إعادة الأخوة الإسلامية إلى النفوس، وفك الهيمنة القبلية بتحويل الولاء للدولة، فهو في نفس الوقت الذي اضطر فيه إلى التعامل مع الزعامة القبلية بما يتماشى وروح الإسلام، قد بذل جهداً كبيراً في التنبيه للخطر الذي تشكله تلك الزعامات، والتحذير من مغبة الامتثال لها، لما في ذلك من هدم للمثل والقيم الإنسانية، من ذلك قوله «الا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم الذين تكبروا عن حسبهم، وترفعوا فوق نسبهم، القوا الهجنة على ربهم... فإنهم قواعد أساس العصبية، ودعائم اركان الفتنة، وسيوف اعتزاء الجاهلية... لا تطيعوا الأدعياء الذين شربتم بصفوكم كدرهم، وخلطتم بصحتكم مرضهم وأدخلتم في حقكم باطلهم»[4]. فالدولة في فكر الإمام علي عليه السلام يجب أن تقوم على التجانس الإنساني داخل المجتمع، بصهر الطبقات في بوتقة المساواة، وإذابة فوارق الجنس، والتعصب للأخلاق الحميدة وهو ما يمكن ان نلمسه ضمن قوله لأبناء مجتمع الكوفة «فليكن تعصبكم لمكارم الخصال، ومحامد الافعال، ومحاسن الأمور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من بيوتات العرب، يعاسيب القبائل، بالأخلاق الرغيبة والأحلام العظيمة، والأخطار الجليلة والآثار المحمودة، تعصبوا لخلال الحمد من الحق للجوار، والوفاء بالذمام، والطاعة للبر، والمعصية للكبر، والأخذ بالفضل، والكف عن البغي والاعظام للقتل، والانصاف للخلق، والكظم للغيظ، واجتناب الفساد في الأرض»[5]، فمن تلاحق العبارات وتتابع الجمل، بعطف بعضها على بعض، نحس ان علياً عليه السلام قد كان مشحوناً غيظاً بسبب ما الت إليه بنية المجتمع من تصدع، بحيث لم يعد للحكومة أية قيمة في ظل نظام قبلي، لا يرى الدولة ولا يفهم مقوماتها الا في حدود منظاره الضيق المتمثل في مصلحة القبيلة، مما يحول دون الانسجام بين افراد المجتمع الواحد، والدولة «كيما تضمن لمرافقها العامة اقصى مردودها (يجب) ان تعمل على تأمين انسجامها مع الاوضاع الخاصة بالحياة المحلية وبالأدوات الاقليمية ذات المصالح المشتركة»[6]. لذلك كانت نظرة علي عليه السلام إلى الدولة نظرة مختلفة تماماً عن نظرة زعماء القبائل. فالمجتمع الكوفي ـ بل الإسلامي بأكمله ـ لم يكن قصراً على المسلمين العرب فهو مكون من خليط من اقوام غير متجانسة، منها فئات عربية ترى نفسها حاكمة لفضلها في نشر الإسلام، فمن حقها الاستئثار بكل الامتيازات، ومنها فئات غير عربية، دخلت الإسلام فراراً من الاضطهاد، وبحثاً عن العدالة والمساواة وفي ظل التعصب العربي لم تحصل على ذلك، ثم ان الفئات العربية داخل بنيتها الاجتماعية غير متجانسة أيضاً بسبب العصبية القبلية وتفاضل بعضها على بعض، هذا بالإضافة إلى عدم تجانسها أيضاً مع الفئات غير العربية، بسبب النظرة الإزدرائية لأولئك الاجانب، لذلك فإن الزعامات القبلية في المجتمع الكوفي ترى ان جميع امكانات الدولة يجب أن تكون تحت تصرفها ورهن إشارتها، حتى الحاكم ـ رأس الدولة وقدوتها ـ لكونه عربياً يجب أن يكون قصراً على العرب في القيام بمصالحهم واعطائهم دون غيرهم، على العكس من نظرة علي عليه السلام  الذي يرى أن الانتماء الإسلامي أقوى وأمتن من انتمائه العربي[7] من ذلك «أن الأشعث قال له وهو على المنبر: غليتنا عليك هذه الحمراء، فقال علي عليه السلام : من يعذرني من هؤلاء الضياطرة، يتخلف أحدهم على فراشه وحشاياه كالعير، ويهجر هؤلاء للذكر، أأطردهم؟ إني إن طردتهم لمن الظالمين، والله لقد سمعته ـ أي رسول الله صلى الله عليه وآله  ـ يقول: والله ليضربنكم على الدين عوداً كما ضربتموهم بدءا»[8] إذ يبدو ان علياً عليه السلام  يرى من منظوره الإسلامي بأن التجانس داخل الدولة لا يعني الانتماء إلى جنس مميز على غيره، ولهذا السبب بين للأشعث ولغيره من زعماء القبائل بأن احتواءه لأولئك غير العرب لتمسكهم بالدين بمعناه الصحيح واسلوبه القويم، فمقياس المواطنة كما يبدو لنا في فكر علي عليه السلام هو الاخوة في الدين، يقول رداً على المرأة العربية التي طلبت منه ان يفضلها في عطائها على غير العربية «قد قرات ما بين اللوحتين، فما رأيت لولد اسماعيل على ولد إسحاق عليه السلام فضلاً ولا جناح بعوضة»[9]، إذ يمكن ان نستنتج من ذلك القول ان اندماج الاجناس في الدولة في كل متكامل، هو السياج المتين الذي يحفظ كيانها، ويوحد بين مواطنيها، مما يعني ان التصور السياسي لمفهوم الدولة وضح ـ على ما نعتقد ـ في فكر علي عليه السلام، وان لم يضعه في قالب اصطلاحي، لذلك فإن مفردة (دولة)[10] في نهج البلاغة لا تخرج في معانيها عما أورده القاموس اللغوي من (تحول أو نصرة أو استيلاء أو تسلط)[11]، الا ان المتعمق الدقيق لا يعدم الحصول على ما تعنيه المفردة بمفهومها الاصطلاحي كما في قوله «فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه... طمع في بقاء الدول»[12]، فالدول ـ على ما نظن ـ تعني في السياق العلاقات الترابطية بين الحاكم والمحكوم داخل اطار معين. ولكن أكثر ما ترد مفردة دولة في السياق ـ عند علي عليه السلام ـ بمعنى التسلط والحكم، كما في قوله للأشتر حين ولاه مصر «اني قد وجهتك إلى بلاد، قد جرت عليها دول قبلك»[13]، أي سُلط وحكومات مختلفة في احقاب متعاقبة، مع ملاحظة استخدامه لمفردة بلاد عوضاً عن اقليم أو دولة، الا ان ذلك لا يعني التداخل بين مفهومي دولة وحكومة في فكر علي عليه السلام، فقد بينا فيما سبق مفهومه للدولة، مما يحتم علينا تبيان مفهوم حكومة عنده.)[14].

الهوامش:
[1] المحب الطبري: الرياض النضرة 2/386.
[2] راجع ص 268 وما بعدها من هذا البحث.
[3] راجع تمصير الكوفة: تاريخ الطبري 4/44، 45، وما سنيون: خطط الكوفة ص10.
[4] خطب 240، فقرة 8.
[5] خطب 240، فقرة16.
[6] دوفابر ـ الدولة 91.
[7] راجع حكم 94.
[8] ابن الاثير: النهاية في غريب الحديث 1/438 باب حمر، 3/87 باب ضطر، وابن أبي الحديد 19/124، ويعني بالحمراء: العجم والموالي، والضياطرة جمع ضيطر: الضخم الذي لا تنفع فيه. والحمراء أي الفرس، لحمرة لونهم.
[9] البلاذري ـ انساب الاشراف 2/141.
[10] وردت مفردة دولة في النهج بصيغة المفرد والجمع في سبعة مواضع: خطب 4 وفي نهايتها وخطب 131 فقرة 2 وخطب 210 ورسائل 53 فقرة 4 ورسائل 69 نهاية الفقرة الأولى، ورسائل 72، وحكم 346.
[11] راجع باب ـ دول ـ في: لسان العرب المحيط 1/1034، الطريحي: مجمع البحرين 5/57، المعجم الوسيط 1/304.
[12] خطب 120، وقد جاء في بعض الطبعات: طمع في بقاء الدولة.
[13] رسائل رقم 53، الفقرة 4.
[14] لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور خليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 297-302.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.4619 Seconds