فكر الإمام علي (عليه السلام) كما يبدو في نهج البلاغة الأنواع الأدبية في النهج وخصائصها التعبيرية: الجدل الخطابي

مقالات وبحوث

فكر الإمام علي (عليه السلام) كما يبدو في نهج البلاغة الأنواع الأدبية في النهج وخصائصها التعبيرية: الجدل الخطابي

32 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 08-04-2026

بقلم: د. جليل منصور العريَّض

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

أما بعد:
ضم نهج البلاغة، ضمن المختارات من خطب علي (عليه السلام) مجموعة من المحاورات الخطابية، وهي في كثير من مقوماتها الخارجية تشبه إلى حد ما المنافرات الجاهلية التي تعتمد على التفاخر بالأنساب والنبش في المثالب، وتكون ذلاقة اللسان وقوة البيان من أهم عناصرها، الا ان المحاورات الخطابية التي في النهج تبتعد تماما في بنائها الفكري عن مضامين المنافرات الجاهلية، وتتفق معها، في متانة اللغة والصياغة القوية والبيان المحكم، أما الاختلاف الموضوعي فيتمثل في نواح متعددة منها:

أـ إن المحاورات الواردة في النهج لا تتخذ من العصبية القبلية عنصرا من عناصر بنائها الفكري، بينما تنحو المنافرات الجاهلية نحو العصبية القبلية كمصدر من مصادر الغلبة والانتصار.

ب ـ تعمد المنافرات الجاهلية إلى البحث عن مثالب الخصم بالبحث في تاريخه للدخول منها إليه في محاولة إلجامه والحط من قيمته الاجتماعية، بينما يعمد الجدل الخطابي في النهج إلى منطق العقل مبتعدا عن الاساليب التي تنال من قيمة الفارد أو تحط من قيمتهم.

جـ ـ تسيطر الحجة الدينية المشبعة بالإيمان على الجدل الخطابي المأثور عن علي عليه السلام بينما تكون الذات المتمثلة في الشخص أو القبيلة هي مصدر المنافرة الجاهلية أو التي تنحو منحىً جاهليا.

دـ الحجة المقنعة هي الحكم في الجدل الخطابي المأثور عن علي عليه السلام، إذ يكون اللفظ بكل طاقاته موظفا لتبيان جوانب الحجة، إما بتأييد النصوص الدينية أو بتصوير الواقع تصويرا صائبا وصادقا ليعول عليه في إقامة الدليل الإحام الخصم، أما في المنافرات الجاهلية فقد تكون ذلاقة اللسان عنصرا من عناصر الانتصار والغلبة.

مع ملاحظة أن المنافرة تعمد إلى المقابلة بين طرفين يحاول كل طرف منهما الانتصار على الآخر، بينما الجدل الخطابي في النهج هو في حقيقته محاولة من علي عليه السلام لتوضيح موقف معين في مناسبة ما، أو إماطة اللثام عن شبهة وقع فيها بعض أصحابه وجادلوه فيها، ونكاد نسمع صوت علي عليه السلام منفردا في تفنيده دعاوى مجادليهن كما في قوله لبعض الخوارج ردا على بعض مزاعمهم «فإن أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأت وضللت، فَلِم تضللون عامة أمة محمد صلى الله عليه وآله  بضلالي وتأخذونهم بخطئي، وتكفرونهم بذنوبي... وتخلطون من اذنب بمن لم يذنب، وقد علمتم ان رسول الله صلى الله عليه وآله  رجم الزاني المحصن، ثم صلى عليه وورثه أهله وقتل القاتل وورث ميراثه أهله...»([1])، فصوت علي عليه السلام هو البارز خلال المقولة السابقة، وقد اجتزأها الرضي ـ كما نظن ـ من جدل حامٍ دار بين علي عليه السلام وبين الخوارج، لأننا نستطيع من خلالها معرفة آراء أولئك الموجهة إليهم، فقد سألوه عن تصرفه في قضايا فقهية كثيرة لم يذكرها الرضي، منها المعاملة التي اتخذها تجاه أصحاب الجمل حين اباح قتلهم، ولم يبح سبيهم واسترقاقهم([2]). والملاحظ ان عليا عليه السلام يعمد في مثل هذا الجدل إلى النص الديني في الرد على خصومه، ويعمد في ردوده إلى أساليب تكاد تكون تقريرية مباشرة ولكنها ذات حيوية نابعة من قدرته الفائقة على الاستماع والرد بصدر رحب، وفكر متقد، وبديهة لماحة، هذا بالإضافة إلى ثقافة واسعة، خاصة في الجانب الديني المرتكز الأساسي الذي يعتمد عليه ذلك الحوار، ولكنه قد يعمد أحيانا في حواره على أساليب الاستيحاء المبني على التصوير، من ذلك ما دار بينه وبين الرجل البصري الذي جاءه ليستطلع رأيه بشأن بيعته، وموقف طلحة والزبير فيها وبذلك في أثناء توجهه إليهما([3])(([4]).

الهوامش:
([1]) خطب ـ 127ـ فقرة 1.
([2]) أورد السكوني في عيون المناظرات ص 172 وما بعدها جانبا من ذلك الجدل.
([3]) أوردناها في ص 169 من هذا البحث وهي الخطبة ـ 171.
([4]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور جليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 628-630.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.4169 Seconds