الدنيا في نهج الإمام علي (عليه السلام) في كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية

سلسلة قصار الحكم

الدنيا في نهج الإمام علي (عليه السلام) في كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية

7 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 17-09-2026

بقلم السيد عبد الحسين الغريفي المشهدي

الحمد لله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على سيّد الخلق أجمعين سيدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على اعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

وبعد:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا، وَابْتَلَى فِيهَا أهْلَهَا ، لِيَعْلَمَ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَلَسْنَا لِلدُّنْيَا خُلِقْنَا، وَلَا بِالسَّعْيِ فِيهَا أُمِرْنَا، وَإِنَّما وُضِعْنَا فِيهَا لِنُبْتَلَى بِهَا، وَقَدْ ابْتَلَانِي اللَّهُ بِكَ وَابْتَلَاكَ بِي: فَجَعَلَ أَحَدَنَا حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ، فَعَدَوْتَ عَلَى الدُّنْيَا بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، فَطَلَبْتَنِي بِمَا لَمْ تَجْنِ يَدِي وَلَا لِسَانِي، وَعَصَيْتَهُ أَنْتَ وَأَهْلُ الشَّامِ بِي، وَأَلَّبَ عَالِمُكُمْ جَاهِلَكُمْ وَقَائِمُكُمْ قَاعِدَكُمْ.
 فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، وَنَازِعِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ، وَاصْرِفْ إِلَى الْآخِرَةِ وَجْهَكَ، فَهِيَ طَرِيقُنَا وَطَرِيقُكَ.
 وَاحْذَرْ أَنْ يُصِيبَكَ اللَّهُ مِنْهُ بِعَاجِلِ قَارِعَهٍ تَمَسُّ الْأَصْلَ، وَتَقْطَعُ الدَّابِرَ، فَإِنِّي أُولِي لَكَ بِاللَّهِ أَلِيَّةً غَيْرَ فَاجِرَةٍ، لَئِنْ جَمَعَتْنِي وَإِيَّاكَ جَوَامِعُ الْأَقْدَارِ لَا ازَالُ بِبَاحَتِكَ {حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ}([1]))([2]).

شرح الألفاظ الغريبة:
عدوت: أي وثبت؛ أَلَّبَ: بفتح الهمزة وتشديد اللّام – أي حرّض، قالوا: يريد بالعالم أبا هريرة وبالقائم عمرو بن العاص؛ القياد: - بالكسر – الزمام، ونازعة القياد: إذا لم يسترسل معه؛ القارعة: البليّة والمصيبة؛ تمسّ الأصل: أي تصيبه فتقلعه؛ الدابر: هو الآخر؛ أُولي أليّه: أي أحلف بالله حلفة غير حانثة؛ الباحة: كالساحة وزناً ومعنى([3]).

الشرح:
قوله: ((أمّا بعد...)) إلى قوله: ((لنبتلي بها)): إشارة إلى غرض الدنيا وغايتها ليتنبّه لذلك ويعمل له وأراد بالسعي فيها الذي لم يؤمر به اكتسابها لها، دون غيرها ممّا يكون للضرورة فإن ذلك مأمور به في قوله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ}([4]).
وقوله: ((وقد ابتلاني...)) إلى قوله: ((الآخر)): تعيين لبعض أغراضها، وقد علمت كيفيّة ابتلائه بخلقه فيما قبل. ووجه ابتلائه (عليه السلام) بمعاوية عصيانه ومحاربته إيّاه حتّى لو قصر في مقاومته ولم يقم في وجهه كان ملوماً وكان معاوية حجّة الله عليه، ووجه ابتلاء معاوية به (عليه السلام) دعوته له إلى الحق وتحذيره إيّاه من عواقب المعصية حتى إذا لم يجب داعي الله لحقه الذمّ والعقاب وكان (عليه السلام) هو حجّة الله عليه وذلك معنى قوله: ((فجعل أحدنا حجّة على الآخر)).
وقوله: ((فعدوت...)) إلى قوله: ((قاعدكم)): إشارة إلى بعض وجوه ابتلائه (عليه السلام) به، ومعنى ذلك أنّه إنّما طلب بخروجه عليه الدنيا وجعل السبب إلى ذلك تأويل القرآن كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى}([5]) وغيره من الآيات الدالة على وجوب القصاص فتأوّلها بإدخال نفسه فيها وطلب القصاص لعثمان، وإنما كان دخوله في ذلك بالتأويل لأنّ الخطاب خاصّ بمن قَتَلَ وقُتِلَ منه. ومعاوية بمعزل عن ذلك إ لم يكن من أولياء دم عثمان ففسر الآية بالعموم ليدخل فيها. والذي لم تجنه يده ولسانه (عليه السلام) هو ما نسبوه إليه (عليه السلام) وألب بعضهم بعضاً عليه فيه وهو قتل عثمان وأراد ألب عليكم عالمكم بحالي جاهلكم به وقائمكم في حربي قاعدكم عنه.
ثمّ لمّا نبّه على غاية الدنيا وجعل الله سبحانه كلّاً منهما حجّة على الآخر ليعلم أيّهم أحسن عملاً رجع إلى موعظته وتحذيره فأمره بتقوى الله في نفسه أن يهلكها بعصيانه ومخالفة أمره. وأن ينازع الشيطان قياده. واستعار لفظ القياد للميول الطبيعية ووجه الاستعارة كونها زمام الإنسان إلى المعصية إذا سلمها بيد الشيطان وانهمك بها في اللذات الموبقة. ومنازعته للشيطان مقاومته لنفسه الأمّارة عن طرف الإفراط إلى حاق الوسط في الشهوة والغضب، وأن يصرف إلى الآخرة وجهه: أي يولّي وجهه شطر الآخرة مطالعاً ما أعدّ فيها من خير وشرّ وسعادة وشقاوة بعين بصيرته ليعمل بها.
وقوله ((فهي طريقنا وطريقك)): صغرى ضمير نبّه به على وجوب صرف وجهه إلى الآخرة. وتقدير كبراه: وكلّما كان طريق الإنسان فواجب أن يصرف إليها وجهه وجعلها طريقاً مجازاً عن غاية الطريق إطلاقاً لاسم ذي الغاية عليها.
ثمّ حذره من الله أن يصيبه بداهية يصيب أصله وقطع نسله وأراد بها ما نهاه من نهوضه إليه وحربه إيّاه ولذلك أقسم على تقدير أن يجمعهما جوامع الأقدار أن لا يزال بباحته مقيماً حتى يحكم الله بينهما. وفي ذلك غليظ الوعد بعذاب شديد([6]))([7]).

الهوامش:
([1]) سورة الأعراف، الآية: 87.
([2]) نهج البلاغة لصبحي صالح: ٤46 / من كتاب له عليه السلام إلى معاوية أيضاً رقم 55، ونهج الشيخ العطار: 595 / من كتاب له عليه السلام إليه رقم 55، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم ٥: 190 / من كتاب له عليه السلام رقم 54، ونهج محمد عبده ۲: 116.
([3]) شرح الألفاظ الغريبة: 703-704.
([4]) سورة الملك، الآية: 15.
([5]) سورة البقرة، الآية: 178.
([6]) شرح نهج البلاغة لابن ميثم 5: 190-192/ في شرح من كتاب له عليه السلام إلى معاوية رقم 54.
([7]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الدنيا في نهج الإمام علي عليه السلام: السيد عبد الحسين الغريفي، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص 394-397.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1252 Seconds