مِنَ الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) الحلقة (33): التوجهات النحوية للفظة (صالح المؤمنين) وما تعلق بها

مقالات وبحوث

مِنَ الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) الحلقة (33): التوجهات النحوية للفظة (صالح المؤمنين) وما تعلق بها

17 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 29-10-2026

بقلم: رضي فاهم عيدان

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله وكما يستحقه حمدًا كثيرًا وأعوذ به من شر نفسي إنّ النفس لأمارةٌ بالسوء إلاّ ما رحم ربي، والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمّدٍ الأمين وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

إما بعد:

(صالح المؤمنين):
تجري مناقشةُ هذا المركب نحْويًّا من جهتين:

إحداهما: حكمه الإعرابي ودلالته: إذ يُحتمل في إعرابه وجهان:

الأول: أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره: مولاه؛ وهو في ما إذا كان (جبريل معطوفًا) على لفظ الجلالة أو على الضمير في مولاه.

والثاني: أن يكون مبتدأ خبره (ظهير)، وهو فيما إذا كانت الواو استئنافية في (وجبريل) ([1]).

    ويبدو أنَّ تحديدَ الوجه الإعرابي المناسب يعتمدُ على تحديدِ معنى لفظة (مولاه) فهو ((يحتمل أنْ يكونَ بمعنى السيِّدِ الأعظم فيُوقفُ على مولاه، ويكون جبريلُ مبتدأ وظهيرٌ خبره وخبرُ ما عطف عليه، ويُحتمل أنْ يكون المولى هنا بمعنى الولي الناصر، فيكون جبريلُ معطوفًا فيوصُل مع ما قبله ويوقف على صالحِ المؤمنين، ويكونُ الملائكةُ مبتدأ وظهير خبره))([2]).

     ويرجُح أن يكون (مولى) بمعنى الناصر والمعين، وُيؤيدهُ المعنى في قولِه (تظاهرا)؛ إذ لما كان التَّظاهرُ فيه معنى التعاون لإيذاء الرسول فلا بد من أن يقابله مَنْ ينصرُه ويدافعُ عنه، قال القرطبي(ت671هـ): ((قوله تعالى: {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} أي تتظاهرا وتتعاونا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمعصية والإيذاء)) ([3]).

     كذلك فإنَّ الرابط ما بينَ المعطوفاتِ بحسبِ ما يقتضيهِ العطف من الاشتراك هي دلالةُ لفظة (المولى) على معنى الناصر والمعين وإلاَّ لَما صحَّ العطفُ وهو الأظهر، وهو اختيار الفراء بأن يكون (صالحُ المؤمنين) معطوفًا على (جبرائيل) المعطوف بدورِه على لفظِ الجلالة؛ قال: ((ولو قال قائل: إن ظهيرًا لجبريل، ولصالح المؤمنين، والملائكة ـ كان صوابًا، ولكنه حسن أن يجعل الظهيرَ للملائكة خاصة، لقوله: (والملائكة) بعد نصرة هؤلاء ظهير)) ([4]).

الأُخرى: نوع الإضافة فيها:
قسَّمَ ابنُ هشام(ت761هـ ) الإضافةَ إلى قسمين : ((مَحْضَةٌ وغيرُ مَحْضَة ؛ وأن غيرَ المحضةِ عبارةٌ عمَّا اجتمع فيها أَمران : أَمرٌ في المضاف ، وهو كونُه صفةً ، وأَمرٌ في المضاف إليه ، وهو كونُه معمولاً لتلك الصفة ...وأنّ الإِضافةَ المحضة عبارةٌ عما انتفى منها الأمرانِ المذكوران أو أحَدُهُمَا ))([5]) والإضافةُ في (صالح المؤمنين) إضافةٌ محضة ؛ لأن المضافَ إليه (المؤمنين ) ليس معمولاً لاسم الفاعل (صالح)، فهي تدلُّ على الذات المجردة دون إرادة الحدث فيها ، فـ(صالح) وإن كان وصفًا مشتقًا  إلاّ أنَّه لا يمكن إعمالُه في المضاف إليه (المؤمنين)، لأنَّ إعمالَهُ فيه سيجعل الإضافةَ غيرَ محضةٍ على نيَّة الانفصال ولفظيةً لأجل التخفيف ، كما هو الحال في قولنا: هذا ضاربُ زيدٍ ، بمعنى : يضرب زيداً ([6])، وبناءً على هذا الوجه سيكون تقدير الإضافة  (يصلح المؤمنين)، والإضافة المتحققة بين صالح والمؤمنين بهذا المعنى لا تنسجم مع إرادة العطف في الآية، فلا بُدَّ من أنْ تكونَ الإضافةُ محضةً ليست على نية الانفصال، فضلاً على عدم استقامتهِ مع سياق الآية ؛ فهو لا يصح لعدم ظهور المعنى ، إذ المؤمنون وصلوا إلى درجةٍ عليا فكيف يحتاجون إلى الإصلاح؟ وإنَّما يحتاج إليه ممَنْ هو دونهم، ولو كان (المؤمنين) معمولاً لصالح لكان من أصلح واسم الفاعل منها (مُصلِح) وذلك غير وارد، فـ(صالح) من (صَلَح) أو (صَلُح).

(صالح):
والمراد بـ (صالح) باعتبارِ الإضافة المحضة أحدُ احتمالين([7]):

الأول: أن تكون الإضافة بمعنى (مِنْ) فيكون التقدير: فردًا صالحًا من المؤمنين؛ قال ابن السراج: ((والإِضافة المحضة تنقسم إلى قسمين: إضافة اسمٍ الى اسمٍ غيرِه بمعنى اللام وإضافةِ اسم إلى اسم هو بعضُه بمعنى "مِنْ")) ([8])، ويُلحظُ أنَّ إرادة الإضافةِ بهذا التقدير لم يكتسبْ بها المُضاف تعريفًا من المضاف إليه، إذ بقي على عمومه، فالإضافة لم تأتِ بشيءٍ جديد، فالمؤمنُ لابدَّ وأن يكون صالحًا.

الثاني: أن يكون التقدير: مَنْ صلُح من المؤمنين يعني: كلُّ من آمن وعمل صالحاً ([9])، أو هو واحدٌ يراد به الجمع ((فـ(صالح) ههنا ينوب عن الجمع))([10]) ، وهذا الاحتمال يُراد به الجنس ويَرِدُ عليه ((قياسُ المضافِ إلى الجمع الى مدخول اللام فظاهر (صالح المؤمنين) غير ظاهر الصالح من المؤمنين))([11]) وأرى أن لا التقدير الأول ولا الثاني ينسجم مع معنى الإضافة في الآية؛ لأن التبعيض أو الجنس بعيد عن روح النص.

وهناك رأي ثالث في معنى (صالح المؤمنين) ذكره بعضُ المفسرين لخَّصهُ السَّمينُ الحلبي(ت756هـ)؛ بأنَّهم: ((جَوَّزوا أن يكونَ جمعًا بالواو والنون، حُذِفَتْ النونُ للإضافة، وكُتِبَ دون واوٍ اعتباراً بلفظه لأنَّ الواوَ ساقطةٌ لالتقاء الساكنين نحن: {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} و{يَدْعُ الدَّاعِ} {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} إلى غيرِ ذلك)) ([12])، إلاَّ أنَّ الأخذَ بهذا الرأي لا يُؤمن معه اللبسُ، باعتبار أنَّ حذفَ الواو من (صالح) لا يُعرف منه هل المحذوف منه فرد أو جماعة؟  كون المحذوف ليس من بِنية الكلمة، أما الآيات التي أوردوها فالمحذوف فيها من بنية الكلمة، وقد يدل عليها سياق الكلمة مع الكلمات الأُخر فلا يحصل اللبسُ، ومع عدم الأمن من اللبس فلا يُقدَّم الحذف طلبًا لخفةِ النطق للتخلص من التقاء الساكنين فالأولى عدم الحذف، فـ(صالح) مفردٌ وليس جمعًا) ([13]).

الهوامش:
([1])ينظر: التبيان في إعراب القرآن: 2/458-459، البحر المحيط: 8/ 286-287.
([2])التسهيل لعلوم التنزيل: 2/463.
([3])الجامع لأحكام القرآن: 2/3107.
([4]) معاني القرآن: الفراء: 3/67.
([5]) شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب: 334.
([6]) ينظر: شرح ابن عقيل: 3/46، والنحو الوافي: 3/34.
([7]) ينظر: التفسير الكبير: 3/49.
([8]) الأصول في النحو: 2/5.
([9]) ينظر: الكشاف: 4/553.
([10]) معاني القرآن وإعرابه: 5/ 193.
([11]) الميزان في تفسير القرآن: 19/ 347.
([12]) الدر المصون في علم الكتاب المكنون: 10/368، تنظر الآيات: الشورى:24، والقمر: 6، والعلق: 18.
([13]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) / دراسة في ضوء المعنى النحوي الدلالي، تأليف: رضي فاهم عيدان، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 225-227.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0964 Seconds