المناسبة بين افتتاحيات الخطب وموضوعاتها في نهج البلاغة

527 2018-04-08


المناسبة بين افتتاحيات الخطب وموضوعاتها في نهج البلاغة

 

الباحث: محمد حاكم الكريطي

الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحا لذكره وسببا للمزيد من فضله ودليلا على آلائه وعظمته. والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين. وبعد:

ان كلام أمير المؤمنين عليه السلام الذي جمع البلاغة من أطرافها واختار ألين الألفاظ  وأشرف المعاني، أستقى قوله من سلسبيل القرآن الكريم فأخضر وأينع قوله واشتدت دلالته, وصار كلامه (عليه السلام) مرجعًا أولًا للبلاغة بعد القرآن الكريم حتى صار حريًّا أن يوسم بـ(نهج البلاغة) فقد اشتمل على مختلف الخطب والعهود والرسائل, وهذه العنوانات بدورها اشتملت على معانٍ مختلفة بين التحذير والوعد والوعيد والحث على الجهاد, وطاعة الله ورسوله (صلى الله عليه وآله), وأهل البيت (عليهم السلام), والحديث عن مختلف العلوم وعجائب الخلق من السماوات والارض والانفس والثمرات, فقد تعددت أساليبه (عليه السلام) وتنوعت معانيه وأوجز من اعادة استعمال التراكيب اللفظية وجدد في طرح المعاني وبناء النظام السياقي, حتى اختلفت قراءة المتلقي للنص بحسب الوعي الذي يتمتع به, فيزداد الأثر البلاغي بحسب المساحة الفكرية لدى القارئ, لذا نرى انه مع حجم الدراسات الضخمة التي مازالت تتناول هذا النص فانه لا تنقضي غرائبه ولا تفنى عجائبه.

ومعظم خطب الامام (عليه السلام) كان يبدأها بالتحميد وفي كل مرة يستعمل ألفاظًا مغايرة عن سابقاتها في تحميد الله وشكره فتتعدد أنواع التحميد بتعدد معاني الخطب فيحصل الانسجام والتوافق بين مطلع الخطبة وما تحمله من ألفاظ التحميد والثناء والشكر من جانب, ومضمونها من جانب آخر. فمن هذه الخطب بعد التحكيم, قوله (عليه السلام):)) الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح, والحدث الجليل))([1]).

نلاحظ كيفية توظيف الألفاظ في مطلع هذه الخطبة وتحديدا في تحميدها, فذلك يدل على ما حدث من أمر عظيم أحدث شرخا في نظام الأمة بعد ذلك التحكيم. فقد روي أن عمرو بن العاص وأبا موسى الاشعري لما التقيا بدومة الجندل وقد حُكِّما في أمر الناس كان عليٌ (عليه السلام) يومئذ قد دخل الكوفة ينظر ما يحكمان به. فلما تمت خدعة عمرو لأبي موسى الأشعري وبلغه (عليه السلام) ذلك أغتم غما شديدا ووجم منهم([2]).

لذلك نرى الإمام (عليه السلام) قد جاء بالتحميد فيما يدل على بثه وحزنه, وذكر الخطب الفادح، الذي معناه اثقال الأمر والحمل دليلا على عظمة الأمر وشدته([3]).

فتحميده (عليه السلام) كان دليلا على المناسبة التي يريد الحديث عنها .

ومن خطبة له (عليه السلام), خطبها يوم الفطر, وفيها يحمد الله ويذم الدنيا. قال: ((الحمد لله غير مقنوط من رحمته ولا مخلو من نعمته ولا مأيوس من مغفرته ولا مستنكف من عبادته الذي لا تبرح منه رحمة, ولا تنفد له نعمة))([4]).

نلاحظ أن هذا التحميد قد اختلفت ألفاظه ومعانيه مع ما أوردنا قبله, فإنه وكما أشرنا يكون تبعا للمناسبة, فالإمام (عليه السلام) يريد أن يذكر الناس برحمته تبارك وتعالى وقربها ممن لجأ الى حرمه , ويزيل الوهم من صدور القانطين واليائسين , وفي هذا الكلام إشارة ضمنية إلى قبول العبادات والطاعات في شهر رمضان المبارك, إذ إنهم على عهد قريب من الشهر الفضيل، فإن رحمة الله قريب منهم بقدر قربهم من الشهر الكريم.

ومن خطبة له (عليه السلام), كان يذكر فيها جملة من صفات الربوبية والعلم الإلهي, قال (عليه السلام): ((الحمد لله الذي بطن خفيات الأمور ودلت عليه أعلام الظهور وأمتنع عن عين البصر))([5]).

هذا التحميد هو افصاح عن صفات الله تبارك وتعالى, فتحميده كان إشارات عن صفات الله وعلمه .

 الهوامش:

([1]) نهج البلاغة :95

([2]) ينظر: شرح نهج البلاغة ابن ميثم البحراني :84:2

([3]) ينظر : العين : 208:1

([4]) نهج البلاغة :103ـ104.

([5]) نهج البلاغة :105 ـ106

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك