الفتن والمعالجة الاستباقية في النص الشرعي

207 2018-12-31


الفتن والمعالجة الاستباقية في النص الشرعي

 

بقلم الباحثة: خُطَى الخزاعي

عن أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) متحدثًا عن القرآن الكريم: (إنها ستكون فتن، قلت فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال :كتاب الله ، فيه خبر ما قبلكم ، ونبأ ما بعدكم ، وحكم ما بينكم . هو الفصل ليس بالهزل ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تشبع منه العلماء ، ولا يخلق عن كثرة رد ، ولا تنقضي عجائبه ، وهو الذي من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي من عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه دعا إلى صراط مستقيم ) ([1]) ،قال تعالى:(... وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوه وما نَهاكُمْ عَنْه فَانْتَهُوا ...)(الحشر :7).

        تضمّن النص الشرعي (قرآنًا وسُنَّة) أفرادًا متعددة من المعالجات التي عكست حاكميته المطلقة على ما سواه، مبرزةً كل منها جانب من جوانب إعجازه في الشمولية والاستيعاب لكل المتغيرات على اختلاف الأزمان والأجيال ، ومنها المعالجات بوصفها حلولًا بمعرض الفتن أي بمعنى التوجيه المُلزم باتجاه الخيار الحق عند تراكم الأحداث، واختلاف الناس، واشتباه الأمور بعد كشف وجه الحق جليًا وفقًا لقاعدة اللطف الإلهي في هداية الناس ابتداءً واستمرارًا ، كالمعالجات التي ترتسم  في الطرح القرآني وهو يقص أحداث الأولين مشيرًا الى الفتن التي عصفت بهم، وأسبابها مع بيان المخرج الحق فيها، ليؤسسَ من تلك الأحداث أمهات القواعد والأصول العامة في المعالجات للأُمم اللاحقة وفقًا لقاعدة الجري، وينقل بعد ذلك المَهمة الى النص النبوي الواقع في طوله في الحجية والإلزام في تفصيل المُجمل وتفريعِ الأصل وتحديد المصداق .

والمعالجة عادةً ما تكون فرع الحدث المستوجب لها فتتأخر عنه زمانًا ورتبةً؛ غير أنَ هذه العادة غير جارية بالمطلق في معالجات النص الشرعي للفتن، أذ أولى النص هذه المعالجات الأهمية القصوى، فانبرى النص النبوي مبينًا الفتن وشخوصها وطرق النجاة منها بزمان متقدم على حدوثها في الواقع، ليعكس بهذا الإجراء خطورة تلك الفتن وأثرها المتمدد في الخطورة، والممتد الى أزمان لاحقة وأجيال قادمة، ومن تلك الفتن التي استوجبت استنفارًا في النص النبوي في كثرة البيان حولها والتركيز على الجانب الذي يمثل جبهة الحق فيها، لترتسم من تلك التحديدات ملامح المعالجة، مهيئًا الدواء قبل حلول الداء، تلك الفتنة التي عصفت بالأُمة من بعده في اختلاف الناس عنه، فقد ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مُحدِّدًا جبهة الحق في هذا الاختلاف  بقوله: (علي مع الحق والحق معه لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض) ([2]). وقوله (صلى الله عليه وآله): (من فارق عليا فقد فارقني، ومن فارقني فقد فارق الله عزَّ وجل) ([3])، وإذا تبين جانب جبهة الحق تحدد الجانب الآخر الذي لم يتركه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضًا دون بيان منه؛ فقال مركّزًا على مُحدِّد آخر في جبهة الحق قد اصطدم بالمباشرة مع جبهة الباطل :(فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي) ([4])،وعنه : ( إن فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ، ومن غاظها فقد غاظني ، ومن سرها فقد سرني ) ([5])،إذ إنَّ من المعلوم أن الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها) قد تمركزت في جبهة الحق المتمثلة بأمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) ومن هذا المُحدِّد قد تشخصت جبهة الباطل وشخوصها ،فأصبحت هوية أولئك الأشخاص الذين قابلوا عليًا وآذوا فاطمة (صلوات الله وسلامه عليهما) معلومة ، ويذكر التاريخ الأمر مفصلًا : ((فدخلا وسلما وقالا (الأول والثاني) : ارضي عنا رضي الله عنك ، فقالت : ما دعاكما إلى هذا ؟ فقالا : اعترفنا بالإساءة ورجونا أن تعفي عنا وتخرجي سخيمتك . فقالت : فإن كنتما صادقين ،فأخبراني عما أسألكما عنه ، فإني لا أسألكما عن أمر إلا وأنا عارفة بأنكما تعلمانه ، فإن صدقتما علمت أنكما صادقان في مجيئكما . قالا : سلي عما بدا لك ، قالت : نشدتكما بالله هل سمعتما رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ( فاطمة بضعة مني ، فمن آذاها فقد آذاني ) ؟ قالا :نعم ،فرفعت يدها إلى السماء فقالت : ( اللهم إنهما قد آذياني ، فأنا أشكوهما إليك وإلى رسولك ، لا والله لا أرضى عنكما أبدا حتى ألقى أبي رسول الله وأخبره بما صنعتما ، فيكون هو الحاكم فيكما قال : فعند ذلك دعا أبو بكر بالويل والثبور وجزع جزعا شديدا..) ([6])،وإذا تحددت كلا الجبهتين وشخوصها ،تتحدد المعالجة النبوية تبعًا لذلك في تولي جبهة الحق ونبذ جبهة الباطل ، ولم تقف المعالجات النبوية عند حدود تلك الفتنة؛ بل استمرت مسايرة للأحداث المتمخضة عنها طارحة الحلول في كل مرة إيغالًا منه (صلى الله عليه وآله وسلم) في هداية الناس وانتشالهم ،ويستمر التحديد النبوي لشخوص جبهة الحق، لينفرز في كل مرة مؤسس الفتنة وأتباعه ، ومن ذلك قوله واصفًا الصحابي الجليل أبا ذر (رضوان الله تعالى عليه) (مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ، وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أبي ذر) ([7])، ليشكِّل هذا الحديث تأييدًا نبويًا لمقالات أبي ذر وتعريته لحكومة الثالث الفاسدة وإحاداثاته في الدين، ويكون أبو ذر هذه المرة العنصر الكاشف عن جبهة الحق، ومنها أيضًا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّار بن ياسر (رضوان الله تعالى عليه):  (أَبْشِرْ يَا عَمَّارُ تَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ) ([8])وقوله أيضًا (إن عمارا مع الحق والحق معه ، يدور عمار مع الحق أينما دار ، وقاتل عمار في النار) ([9])وقوله: (إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق)([10])، معرّيًا (صلوات الله وسلامه عليه) بعمّار (رضوان الله تعالى عليه) فرقة الباغين المُضَلِلة بزعامة معاوية بن أبي سفيان متعاملًا مع القوم بمزيد رحمة وإلّا يكفيه تحديد الجبهة بتواجد أمير المؤمنين فيها فهو الحق (صلوات الله وسلامه عليه) كما وصفه (صلى الله عليه وآله) فكأنَّه أراد بذلك المبالغة  في هداية الناس وتوجيههم نحو الصواب ببيان رأس الحق ومن ينتمي إليه، ونختم المعالجات النبوية بمعالجة من نوع آخر تحدّث فيها (صلوات الله وسلامه عليه) عن أمامة الحسنين (صلوات الله وسلامه عليهما) ( ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا) ([11])، مُلمحًا الى اختلاف الدور بين الإمامين (صلوات الله وسلامه عليهما) ، وعليه فلا يقدح في إمامة أحدهما قيام أو قعود، تصدٍ أو مهادنة ، فيجيب بزمن سابق عن تساؤلات شخوص تلك الفتنة والاعتراض على منهجية الإمامين، بحديث يؤيد بالكلية كلا المنهجين والمعالجة إنَّما تنحصر في التسليم التام ، وتتوالى نماذج المعالجات الاستباقية في النص الشريف في غير ما ذكر من الأحداث والوقائع لترمز كما قدمنا الى قابلية النص الشريف في الاستيعاب وإنَّه نص حي يستبق الحدث معالجًا وموجهًا.

الهوامش:

[1])) المختصر النافع ، المحقق الحلي:17

[2])) الأمالي، الشيخ الصدوق، (ت: 381 هـ)، مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة (ط1)، 1417هـ :150.

[3])) المصدر نفسه.

[4])) البخاري ، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة ،(ط1)، 1422هـ: 5/29 ، مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (ت: 261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت: 4/1903.

[5])) الاعتقادات في دين الإمامية، الشيخ الصدوق (ت: 381 هـ)، تحقيق: عصام عبد السيد، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت – لبنان، (ط2 )، ،1414 - 1993 م: 105.

[6])) كتاب سليم بن قيس ،سليم بن قيس الهلالي الكوفي ،الوفاة : ق 1، تحقيق : محمد باقر الأنصاري الزنجاني ،(ط1) ،سنة الطبع : 1422 - 1380 ش ،المطبعة : نگارش ،الناشر : دليل ما : 391.

[7])) مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (ت: 241هـ)، ت: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، (ط1)، 1421 هـ - 2001 م:11/206.

[8]))  الجامع الكبير - سنن الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (ت: 279هـ)، ت: بشار عواد معروف ،الناشر: دار الغرب الإسلامي – بيروت: 1998 م: 6/144.

[9])) الغدير ، الشيخ الأميني ، (ت: 1392)، دار الكتاب العربي - بيروت – لبنان (ط4 )، 1397 - 1977 م:10/312 .

[10]))  المصدر نفسه.

[11])) بحار الأنوار ، العلامة المجلسي ،(ت: 1111)، ت: عبد الرحيم الرباني الشيرازي ، دار إحياء التراث العربي - بيروت – لبنان، (ط3 المصححة): 1403 - 1983 م: 16/307.

 

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك