الملازمة بين النبي وأمير المؤمنين (عليهما وآلهما السلام) في عالم الأصلاب

439 2017-12-20


الملازمة بين النبي وأمير المؤمنين (عليهما وآلهما السلام) في عالم الأصلاب

 

الباحث محمد حمزة الخفاجي

 

الْحَمْدُ لِلَّه الأَوَّلِ فَلَا شَيْءَ قَبْلَه، والآخِرِ فَلَا شَيْءَ بَعْدَه، والظَّاهِرِ فَلَا شَيْءَ فَوْقَه، والْبَاطِنِ فَلَا شَيْءَ دُونَه...

وبعد.....

لم يزل نور النبي والوصي (صلوات الله عليهم) متلازما حتى في عالم الأصلاب فلا زالت هذه الأنوار تنتقل من نبي إلى نبي حتى استقرت في أكرم وأطهر الأصلاب وأشرف وأقدس الأرحام، ومن ذلك ما بينه أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له واصفا فيها طهارة سلالة الأنبياء إذ قال (عليه السلام): (فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ، وأَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٍّ،  تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ الأَصْلَابِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الأَرْحَامِ، كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ، قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللَّه خَلَفٌ، حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللَّه سُبْحَانَه وتَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) فَأَخْرَجَه مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً، وأَعَزِّ الأَرُومَاتِ مَغْرِساً، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَه، وانْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَه عِتْرَتُه خَيْرُ الْعِتَرِ، وأُسْرَتُه خَيْرُ الأُسَرِ وشَجَرَتُه خَيْرُ الشَّجَرِ، نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ وبَسَقَتْ فِي كَرَمٍ، لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ وثَمَرٌ لَا يُنَالُ)[1].

فالله سبحانه وتعالى استودع هذا النور في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، فهذه البيوتات طيبة طاهرة من حيث النسل، لذا اختارها الله أن تكون محل بركاته ومهبط وحيه.

إضافة إلى طيب هذه البيوتات وطهرها من حيث النسل فقد اتصفت بالكرم والأخلاق وجميع الصفات الحميدة فهي من أفضل المعادن وأكملها لذا رفع الله هذه البيوتات الصالحة.

وقد روي عن أبي ذر (رحمه الله) قال: (سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول: ((خلقت أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد نسبح الله يمنة العرش قبل أن يخلق آدم بألفي عام فلما أن خلق الله آدم جعل ذلك النور في صلبه ولقد سكن الجنة ونحن في صلبه ولقد هم بالخطيئة ونحن في صلبه ولقد ركب نوح في السفينة ونحن في صلبه ولقد قذف إبراهيم في النار ونحن في صلبه فلم يزل ينقلنا الله عز وجل من أصلاب طاهرة إلى أرحام طاهرة حتى انتهى بنا إلى عبد المطلب فقسمنا بنصفين فجعلني في صلب عبد الله وجعل عليا في صلب أبى طالب وجعل في النبوة والبركة وجعل في علي الفصاحة والفروسية وشق لنا اسمين من أسمائه فذو العرش محمود وانا محمد والله الاعلى وهذا علي)).

ففي هذه الرواية يبين النبي (صلى الله عليه وآله) تلك الملازمة بينه وبين الوصي بقوله (صلى الله عليه وآله): (ولقد سكن الجنة ونحن في صلبه ولقد هم بالخطيئة ونحن في صلبه ولقد ركب نوح في السفينة ونحن في صلبه ولقد قذف إبراهيم في النار ونحن في صلبه)، فكل تلك السنين والإمام علي (عليه السلام) لم يفارق رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى قسم الله ذلك النور فالنبي (صلى الله عليه وآله) استقر في صلب عبد الله والوصي استقر في صلب أبو طالب.

 وكذلك روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كان حيث طلقت آمنة بنت وهب وأخذها المخاض بالنبي (صلى الله عليه وآله) حضرتها فاطمة بنت أسد امرأة أبي طالب فلم تزل معها حتى وضعت فقالت، إحداهما للأخرى: هل ترين ما أرى؟ فقالت: وما ترين؟ قالت: هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق والمغرب فبينما هما كذلك إذا دخل عليهما أبو طالب فقال لهما: ما لكما من أي شيء تعجبان؟ فأخبرته فاطمة بالنور الذي قد رأت فقال: لها أبو طالب: ألا أبشرك؟ فقالت: بلى، فقال: أما إنك ستلدين غلاما يكون وصي هذا المولود)[2].

فلو تأملنا كلام أبي طالب لأيقنا أنه ولي من أولياء الله فمن اين عرف هذه الاسرار وهذه أمور لم يطلعها الله الا لخاصة أوليائه ففي رواية عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال (رضوان الله عليه): (سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ميلاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " عليه السلام " فقال: آه آه لقد سألتني عن خير مولود ولد بعدي على سنة المسيح " عليه السلام " إن الله تبارك وتعالى خلقني وعليا من نور واحد، قبل أن يخلق الخلق بخمسمائة الف عام فكنا نسبح الله ونقدسه ، فلما خلق الله تعالى آدم قذف بنا في صلبه واستقررت انا في جنبه الأيمن، وعلي في الأيسر ثم نقلنا من صلبه في الأصلاب الطاهرات إلى الأرحام الطيبة، فلم نزل كذلك حتى اطلعني الله تعالى من ظهر طاهر وهو عبد الله بن عبد المطلب فاستودعني خير رحم وهي آمنة، ثم أطلع الله تبارك وتعالى عليا من ظهر طاهر وهو أبو طالب واستودعه خير رحم، وهي فاطمة بنت أسد ثم قال: يا جابر ومن قبل أن يقع علي في بطن أمه كان في زمانه رجل عابد راهب يقال له المثرم بن رعيب بن الشيقنام وكان مذكورا في العبادة قد عبد الله مائة وتسعين سنة، ولم يسأل حاجة فسأل ربه أن يريه وليا له، فبعث الله تبارك وتعالى بأبي طالب إليه فلما ان بصر به المثرم، قام إليه فقبل رأسه وأجلسه بين يديه، فقال: من أنت يرحمك الله ؟ قال: رجل من تهامة، فقال من أي تهامة ؟ قال من مكة، قال ممن؟ قال: من عبد مناف قال من أي عبد مناف؟ قال من بني هاشم فوثب إليه الراهب فقبل رأسه ثانيا، وقال الحمد لله الذي أعطاني مسألتي، فلم يمتني حتى أراني وليه..)[3].

فكما أظهر الله نور نبيه في وجه آبائه كذلك أظهر الله نور وصيه في وجه ابيه فكلاهما خلقوا من نور واحد لذا كان الناس يعرفون اولياء الله بسيماهم فنورهم يشرق في سماء الدنيا كما كان يشرق في السماء العليا لذا لمن تأمل في تلك الوجوه لأيقن أن هؤلاء الطيبين هم حجج الله على الناس.

الخلاصة:

إن نور محمد ونور علي نور واحد، وإن الله سبحانه لم يفارق هذين النورين الى أن قسم ذلك النور؛ فمنه انشق نور النبوة، ومنه انشق نور الإمامة، كي يختم الله رسله بمحمد ويتمم الله نعمته بعلي وأولاده المعصومين (عليهم أفضل الصلاة والسلام) ثم يختم بقائمهم الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملأت ظلماً وجورا.

الهوامش:

[1] - نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح الخطبة: 94.

[2] - الكافي/ الشيخ الكليني/ ج8، ص302.

[3] -  روضة الواعظين، الفتال النيسابوري، ص77.

التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك