صَبْرُ عَلِيٍّ بَيْنَ فَقْدِ الصَّفِيَّةِ وَالمُصْطَفَى عليهم السلام

فضائل الإمام علي عليه السلام

صَبْرُ عَلِيٍّ بَيْنَ فَقْدِ الصَّفِيَّةِ وَالمُصْطَفَى عليهم السلام

صَبْرُ عَلِيٍّ بَيْنَ فَقْدِ الصَّفِيَّةِ وَالمُصْطَفَى عليهم السلام.

 

الباحث: عماد طالب موسى

 

الْحَمْدُ للهِ وَإنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ، وَالْحَدَثِ الْجَلِيلِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاّ اللهُ، لَيْسَ مَعَهُ إِلهٌ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وآله.

 

تتمظهر حبكة السبك في النص الشريف عبر المناورة في اختيار الألفاظ من ناحية، والتدرج في الطرح الموضوعي من ناحية أخرى، ناهيك عن الاستدراكات والاستئنافات التي تذوب في بنية النص لتوضح قضيته، ولنقف عند قبس من نور عليٍّ عليه السلام الذي يشع بالحزن والأسى على فراق الصَّفية بعد المصطفى، وانخزال اثنين من أصحاب الكسا، فقدم عليه السلام مقطوعة فذة تلخص الفلسفة الدينية في التعامل مع أشدِّ المصائب لا العابرة منها فحسب، وها هو عليه السلام يخاطب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في جدثه ومعه جثمان ابنته فاطمة الزهراء عليها السلام فيقول له:  ((السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ عَنِّي، وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ، وَالسَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ!))([1])

 

 إذ ابتدأ كلامه عليه السلام بالتحية كعادة الزائرين بلحاظ أنَّ زيارته قلبية، وعنها عليها السلام ((كالمستأذن لها في الدخول عليه))([2])، وقدم بعدها البطاقة التعريفية لمعدن النبوة التي يكشفها قوله عليه السلام: (يَا رَسُولَ اللهِ عَنِّي، وَعَنِ ابْنَتِكَ) فذكر الرسول ثم الوصي وما بينهما( ابنتك) ولضمير (الكاف) الوقع المعنوي الذي يمثل التصاق الابنة بالوالد روحيًا ولفظيًا([3])؛ فلم يقل عني وعن (فاطمة) أو عني وعن( (زوجتي) ثم أنه استعمل لفظ( ابنتك) وأخر لفظ( صفيتك) حتى يُبيِّنَ العلاقة بينهما؛ لأنَّ هذا اللفظ أشد وقعًا في استشعار العاطفة، وبيان المحبة التي تضطرم في نفس الرسول (صلى الله عليه وآله) لهذه البضعة الطاهرة([4])، فالضمير المتصل الذي يعود على( الرسول) بيَّنَ بجدارة مدى الاتصال الروحي والقرب المادي بين الرسول وفاطمة(صلوات الله عليهم) كالتصاق اللفظ بالكاف.

 

ثم قدم الإشارات المكانية التي تبين القرب بينهما في الآخرة بعد أن كانا قريبين في الدنيا، بقوله عليه السلام: (النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ، وَالسَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ) والنزول يدل على الحلول وهو طول مكثٍ وفِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ((جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ))([5])؛ قَالَ: نُزُلًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ خالِدِينَ فِيها؛ لأَن خُلودهم فِيهَا إِنْزالُهم فِيهَا. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا؛ قَالَ الأَخفش: هُوَ مِنْ نُزُول النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. يُقَالُ: مَا وجدْنا عِنْدَكُمْ نُزُلًا([6])، و(الجوار) لفظ يفرض استغلالية النازل فالجارُ الَّذِي يُجاوِرُك بَيْتَ بَيْتَ([7]) ويحتمل قراءاتٍ عدَّةً، منها: لعله القرب المكاني من قبر الرسول (صلى الله عليه وآله) وعليه لفيف من العلماء إذ ذكروا بعد استقرائهم لأحاديث الأئمة عليهم السلام أنَّه المقصود به – النزول- في قبرها الذي هو على مقربة من قبر الرسول (صلى الله عليه وآله)، إذ قيل إنه في البقيع، أو في دارها، أو في الروضة، كما هو عن الرسول: ((إنّ بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة، وفي البخاري بين بيتي ومنبري))([8])، وقالوا : حدّ الروضة ما بين القبر إلى المنبر إلى الأساطين الَّتي تلي صحن المسجد([9])، وقيل:(( وجوارها له: أي في منازل الجنّة))([10])، وعلى القولين فالنازلة تحظى بمكانة سامية تحفها طقوس الرحمة الإلهية.

وأمّا سرعة لحاقها به، ففائدة ذكرها التشكَّي إليه من سرعة تواتر المصائب عليه بموته ولحوقها عقيبه ، والمنقول أنّ مدّة حياتها بعده (صلى الله عليه وآله) أربعة أشهر ، وقيل: ستّة أشهر. ثمّ أخذ في التشكَّي إليه كالمخاطب له من قلَّة صبره ورقّة تجلَّده وتحمّله للمصيبة بها([11]).

 

ثم بيَّنَ عليه السلام ألمه وتوجعه لفقد الصفية بعد المصطفى إذ قال عليه السلام: (( قَلَّ يَا رَسُولَ اللهِ، عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَرَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي، إِلاَّ أَنَّ لِي فِي التَّأَسِّيِ بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ، وَفَادِحِ مُصِيبَتِكَ، مَوْضِعَ تَعَزّ، فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ (إنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ! أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ، وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ، إِلَى أَنْ يَخْتَارَ اللهُ لِي دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ))([12])

ولفظ( صفيتك) المضاف إلى (كاف) الخطاب العائد الى الرسول (صلى الله عليه وآله) يفتح آفاقًا معنويةً جديدةً بعد لفظ( ابنتك) الذي ذُكر في مفتتح الخطاب، ولعل ذكر هذا المصطلح ليشغل وظيفة دينية بعد أن شغل مصطلح (ابنتك) تلك الوظيفة المعنوية الحانية، والاصطفاء فلسفة قرآنية جرت ذكرها على أناس معينين لبيان مكانتهم وإخلاصهم لله سبحانه وتعالى فلا يصلها العبد إلا بعد رياضة روحية تقي الروح والجسد من أدران المعاصي فيصبح حينها أهلا للاصطفاء، ومن أمثلته القرآنية: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ))([13])، و ((وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ))([14])، و((قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ))([15])، وغيرها من الآيات التي تؤكد المنزلة المباركة لمن يتمتع بهذا المصطلح.

 

ولكن بعد هذه الديباجة التي بينت دور الصفية ومكانتها الروحية والدينية من الرسول (صلى الله عليه وآله) بلحاظ حديث الكساء([16])، فهي المركز بنص الحديث: فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها، وبالرغم من ذلك فقد لاقت ما لاقت من الظلم والاضطهاد ما لا يلاقيه أبسط الناس، وقد أشار الإمام عليه السلام إلى ذلك بتوجع في ختام خطبته قائلا: (( وَسَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ [بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا]، فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ، وَاسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ، هذَا وَلَمْ يَطُلِ الْعَهْدُ، وَلَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذِّكْرُ. وَالْسَّلاَمُ عَلَيْكُمَا سَلاَمَ مُوَدِّع، لاَ قَال وَلاَ سَئم، فَإنْ أَنْصَرِفْ فَلاَ عَنْ مَلاَلَة، وَإِنْ أُقِمْ فَلاَ عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اللهُ الصَّابِرِينَ))[17]. والنبأ: معنى عَظِيم الشَّأْن ([18])، ولذلك لم يقل ستخبرك؛ لأن الخبر ليس إلا مجرد نقل خبر قد يكون هاما أو عابرا، وفي ذلك حمولة دلالية ثقيلة لبيان حجم الأذى الذي لاقته الصديقة وزوجها ممن ظلمها وغصب حقها وهضمها وموضع النبي (صلى الله عليه وآله) لم يجف، وأثره لم يعفُ بينهم، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، كما قال هو عليه السلام، والحديث يطول في فك رموز هذه الموسوعة التأبينية التي لخصت الواقع آنذاك وبينت مطامع الناس وخيانتهم حتى باتت بضعة رسولهم غريبة مهضومة، مغصوب حقها، مصادر إرثها، ولكن المُعْوَد إلى الله وسيُنَبؤهم بما كانوا يعملون من سوء.

الهوامش:

([1]) نهج البلاغة، تحقيق: د   صبحي الصالح: 319.

([2]) شرح نهج البلاغة ، ابن ميثم البحراني: 4/ 3.

([3]) ينظر: روضة الواعظين، الفتال النيسابوري: 152.

([4]) نهج البلاغة، تحقيق: د   صبحي الصالح: 319.

([5]) سورة آل عمران: 168.

([6]) ينظر: لسان العرب: 11/ 656.

([7]) ينظر: لسان العرب: 4/ 154.

([8]) بحار الأنوار: 43/ 185.

([9]) ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، الخوئي: 13/ 9.

([10]) شرح نهج البلاغة ، ابن ميثم البحراني: 4/ 3.

([11]) ينظر: مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول: 330، وشرح نهج البلاغة، ابن ميثم البحراني: 4/ 3، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، الخوئي: 13/ 9.

([12]) نهج البلاغة، تحقيق: د   صبحي الصالح: 319.

([13]) سورة آل عمران: 33.

([14]) سورة آل عمران: 42.

([15]) سورة النمل: 59.

([16]) َقالت فاطمة عليها السلام في معرض روايتها للحديث: ((لَمّا اكْتَمَلْنا جَمِيعاً تَحْتَ الكِساءِ أَخَذَ أَبِي رَسُولَ الله بِطَرَفَي الكِساءِ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ اليُمْنى إِلى السَّماء وَقالَ: اللّهُمَّ إِنَّ هؤُلاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَخاصَّتِي وَحامَّتِي لَحْمُهُمْ لَحْمِي وَدَمُهُمْ دَمِي يُؤْلِمُنِي مايُؤْلِمُهُمْ وَيَحْزُنُنِي مايَحْزُنُهُمْ، أَنا حَرْبٌ لِمَنْ حارَبَهُمْ وَسِلْمٌ لِمَنْ سالَمَهُمْ وَعَدُوُّ لِمَنْ عاداهُمْ وَمُحِبُّ لِمَنْ أَحَبَّهُمْ، إِنَّهُمْ مِنِّي وَأَنا مِنْهُمْ فَاجْعَلْ صَلَواتِكَ وَبَرَكاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَغُفْرانَكَ وَرِضْوانَكَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ، وَأذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً.

فَقالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ: (يا مَلائِكَتِي وَياسُكَّانَ سَماواتِي، إِنِّي ما خَلَقْتُ سَّماء مَبْنِيَّةً وَلا أَرْضا مَدْحِيَّةً وَلا قَمَراً مُنِيراً وَلا شَمْساً مُضِيئَةً وَلا فَلَكا يَدُورُ وَلا بَحْراً يَجْرِي وَلا فُلْكا يَسْرِي إِلاّ فِي مَحَبَّةِ هؤُلاءِ الخَمْسَةِ الَّذِينَ هُمْ تَحْتَ الكِساءِ)). مختصر المفيد، السيد جعفر مرتضى العاملي: 31.

([17]) نهج البلاغة، تحقيق: د   صبحي الصالح: 319.

([18]) ينظر: الفروق اللغوية: 1/ 41.

 

المقالة السابقة المقالة التالية

Execution Time: 0.0827 Seconds