من مقاصدية وصية الإمام علي (عليه السلام) في أمواله.....

مقالات وبحوث

من مقاصدية وصية الإمام علي (عليه السلام) في أمواله.....

233 مشاهدة

رابعاً: المقاصدية في جعل التولية لأبني فاطمة (عليهم السلام) قربة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)

الحلقة الأولى: قصدية التقرب إلى الله تعالى بالحسن والحسين (عليهما السلام)

بقلم: السيد نبيل الحسني الكربلائي

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدّم من عموم نِعَمٍ ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها والصلاة والسلام على حبيبه المنتجب ورسوله المصطفى أبي القاسم محمد وعلى آله، أساس الدين وعماد اليقين.
وبعد:
اشتملت وصية أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام في أمواله على جملة من العنوانات الشرعية والعقدية، فضلاً عن اكتنازها للعديد من المصاديق والمفاهيم الأخلاقية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية وغيرها، وهو ما ستعرض له عبر جملة من المقالات، وهي على النحو الآتي:
أولاً: قصدية التقرب إلى الله تعالى بالحسن والحسين (عليهما السلام).
إنّ الملاحظ في خطاب أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) -موضع الدراسة- أنه أثار عقول السامعين للوصية وحفزَّ مشاعرهم لما سينطق به كي يتم التعامل بدقة مع ما سيقوله، فضلاً عن توجيههم نحو قصدية اللفظ والتفاعل معه.
ولذا:
استخدم -بحسب دراسة النص ومقتضيات منهج البحث- أموراً عدّة بغية الوصول الى مجموعة من الثمار التي يروم الحصول عليها من المتلقين، منها:
1- إبتداءه بمفردة (الوصية) وهو أمر قد حثَّ عليه الإسلام ورّغب على العمل به لما يترتب على الوصية من تكاليف شرعية وأجتماعية وأسرية.
2- تحديد موضع الوصية، وهو (المال) الذي صرّح به (عليه السلام)، كما جاء في النص الشريف الذي أخرجه الشيخ الكليني وغيره:

«هذا ما أوصى به وقضى به في ماله عبد الله علي بن أبي طالب» ومما لا يخفى ما للمال من آثار على الناس وقد جبلوا على حبة كما بين القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾[1].
ومن ثم فإن النفس الإنسانية ستندفع بفعل فطرتها لحب المال على التفاعل مع هذا الخطاب أو الوصية.
4- تحديد العلّة الموجبة لكتابة الوصية وهو قوله:
«إبتغاء وجه الله ليولجني به الجنة، ويصرفني به عن النار، ويصرف النار عني يوم تبيضّ وجوه وتسود وجوه».
ومن ثم الاعتماد على تحريك الجانب الغيبي والإيمان باليوم الأخر وأغتنام المال لهذا الغرض.
هذه الاجواء التفاعلية التي أحرزها الإمام (عليه السلام) كي يسخرها في بيان القضية التي تكون بموازاة النتيجة التي ربطها بالمال والوصية، وهي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورحمته، وتشريف ابني فاطمة وتعظيمهما، وارتكاز كل ذلك على حرمة فاطمة (عليها السلام) التي هي عين حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ومن ثم إحراز النتيجة العظمى وهي الولوج الى الجنة والنجاة من النار للعامل بهذه الجزئية -مورد البحث- وذلك من خلال جملة من القصديات التي اكتنزها قوله (عليه السلام):
«قربة الى رسول الله (صلى الله عليه وآله)»، فكانت كالاتي:
أولاً: القربة في القرآن واللغة.
جاء ذكر (القربة) في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[2].
ومما جاء في تفسيرها ، ما تناوله الشيخ الطوسي في تفسيره، فقال:
(قال الزجاج: يجوز في (قربات) ثلاثة أوجه -ضم الراء وأسكانها وفتحها- وما قرئ إلا بالضم، والقربة هي طلب الثواب والكرامة من الله تعالى بحسن الطاعة، وهي تُدْني من رحمة الله، والتقدير أنه يتخذ نفقته وصلوات الرسول(صلى الله عليه واله وسلم)، أي دعاؤه له قربة إلى الله.
وقال ابن عباس والحسن: معنى وصلوات الرسول: استغفاره لهم، وقال قتادة: معناه: دعاؤه بالخير والبركة، قال الأعشى:

تـــقول بنتي وقـد قــربت مــرتحـلا             يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثـل الـذي صليت فاغتمضي             نـوما فان لجنب المـرء مضطجـعــا[3]

ثم قال «ألا إنها» يعني صلوات الرسول «قربة لهم» اي تقربهم إلى ثواب الله؛ ويحتمل أن يكون المراد أن نفقتهم قربة إلى الله. وقوله «سيدخلهم الله في رحمته» وعد منه لهم بان يرحمهم ويدخلهم فيها، وفيه مبالغة،  فان الرحمة وسعتهم وغمرتهم، ولو قال فيهم رحمة الله لأفاد انهم اتسعوا للرحمة من الله تعالى.
وقوله «إن الله غفور رحيم» معناه إنه يستر كثيرا على العصاة ذنوبهم ولا يفضحهم بها لرحمته بخلقه «وغفور رحيم» جميعا من ألفاظ المبالغة فيما وصف به نفسه من المغفرة والرحمة)[4].
ثانياً: معنى القربة عند الفقهاء .
إنّ للّفظ خصوصية خاصة وذلك لإرتباطه بروح الشريعة والعقيدة؛ لما له -اي: (القربة)- من مساحة واسعة تداخلت مع الفرائض والمندوبات والحث على العمل في مختلف أوجه البِر.
فجميع ذلك مرتبط أرتباطاً وثيقاً وأساسياً بـ(القربة) الى الله تعالى؛ فهي -أي (القربة)- مدار الاعمال والاعتقاد باليوم الاخر.

وعليه:
يصبح قوله (عليه السلام):
«قربة الى رسول الله» ، (صلى الله عليه واله وسلم) مورداً خصباً لمجموعة من المقاصد التي أراد منتج النص (عليه السلام) من طريقها توجيه المتلقي الى بناء العقيدة ونظام الحياة الدينية؛ وذلك أن المتلقي ومن خلال هذا اللفظ سيواجه العديد من المفاهيم التي أدخلت إلى المنظومة الفكرية للإسلام، فكانت  سببا في تغيير جملة من المفاهيم والتي أصبحت واقعاً ملموساً لدى النخبة من أهل القرن الأول الهجري.
فبَيْن الهجوم على بيت فاطمة(عليها السلام) وترويعها مع ولديها الحسن والحسين (عليهم السلام)، وبين جعلهما وسيلة للتقرب الى رسول الله(صلى الله عليه واله) مساحة واسعة وهوّة عظيمة سقط فيها من سقط من الناس والصحابة كما أخبر عن ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث الحوض:
«فلا أراه يخلص منهم إلاّ كهمل النعم»[5].
ومن ثم نحتاج الى الرجوع الى مفهوم القربة عند الفقهاء كي نصل الى قصدية منتج النص (صلوات الله وسلامه عليه) في جعل ابني فاطمة (عليهما السلام) قربة الى سيد الانبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم).
ولعل الرجوع الى الجواهر الذي جمع فيه الشيخ محمد حسن الجواهري النجفي (عليه رحمة الله ورضوانه) جواهر الفقهاء وتحت عنوان (إعتبار القربة في النية) ليكفينا المؤنة في البحث والاستقصاء عن أقولهم (أعلى الله درجاتهم)؛ فكان خلاصة القول في القربة ، هو:
(أرادة إيقاع الفعل بقصد الإمتثال، وموافقة الإرادة والطاعة، وجعل ذلك وسيلة الى تحصيل ذلك الثواب).
وهذا القول مهم جداً لأنه يرشد الى قصدية قوله:
(قربة الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).
أي: إيقاع فعل التولية لأبناء فاطمة (عليهم السلام) بقصد الإمتثال لما أمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تعظيم شأنهما واداء حقهما وحق امهما فاطمة(عليها السلام) وموافقة الارادة والطاعة لما أمر الله تعالى به في قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وجعل هذه التولية وسيلة لنيل الولوج الى الجنة، والصرف عن النار، وذلك لترتب نفس الاثر الذي تعلق بالإنفاق.
ومن ثم:
توجيه المتلقي الى قضية مهمة وهي: أنّ انفاق المال الذي حدد ثماره منتج النص (عليه السلام) في مستهل وصيته، لا يداني ثمار القربة الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالحسن والحسين (عليهما السلام).
وبذلك يتضح ما يترتب على المخالف لهذه الحرمة وصيانتها والتعرض لمقامهما (عليها السلام) من الإبتعاد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ بل أن توقف أرتفاع الاعمال وقبولها الذي به تتحقق القربة من الله لا يختلف من حيث معنى القربة ومقصدها فيما يتعلق بالقربة الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأبني فاطمة (عليهم السلام).
بمعنى: إنّ النتيجة واحدة في قبول العمل أو أحباطه، وذلك لأتحاد المنشأ فيما بينهما  ([6]).

الهوامش:
[1] سورة الفجر، الآية (20).
[2] سورة التوبة، الآية (99).
[3] ديوانه 720 القصيدة 13 وقد مر البيت الثاني في 1/ 193.
[4] التبيان: ج5 ص286.
[5] صحيح البخاري، كتاب الرقاق: ج7 ص209.
([6]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فاطمة في نهج البلاغة، للسيد نبيل الحسني: ط: العتبة الحسينية المقدسة مؤسسة علوم نهج البلاغة. ص 275-284.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1558 Seconds