من مقاصدية وصية الإمام علي (عليه السلام) في أمواله....

مقالات وبحوث

من مقاصدية وصية الإمام علي (عليه السلام) في أمواله....

219 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 29-06-2021

خامساً: المقاصدية في جعل التولية لأبني فاطمة (عليهم السلام) تكريمًا لحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله)
الحلقة الثالثة: لا تنحصر حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بزمن حياته
بقلم: السيد نبيل الحسني الكربلائي

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدّم من عموم نِعَمٍ ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها والصلاة والسلام على حبيبه المنتجب ورسوله المصطفى أبي القاسم محمد وعلى آله أساس الدين وعماد اليقين.

وبعد:

اَشتملت وصية أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في أمواله على جملة من العنوانات الشرعية والعقدية، فضلاً عن اكتنازها للعديد من المصاديق والمفاهيم الأخلاقية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية وغيرها، وهو ما سنعرض له عِبْرَ جملة من المقالات، وهي على النحو الآتي:

ينقلنا مولى الموحدين وأمير المؤمنين (عليه السلام)، أي: منتج النص الى هذا الاستحضار الرتبي للقلب في التعامل مع ابني فاطمة (عليهم السلام)، وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والذي يقود الى تكريم حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتشريف وصلته، كما سيرد في المبحث القادم.

ومن ثم لابد من الوقوف ببعض المسائل للوصول الى مقاصدية هذا التكريم لحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) عِبْرَ ابني فاطمة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).

المسألة الثانية: لا تنحصر حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بزمن حياته .

إنّ من المقاصد التي اكتنزها اللفظ في حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) هي عدم انحصارها بزمن محدد كأن يكون زمن حياته بين الناس، ومن ثم فإذا توفاه الله تعالى استلبت منه هذه الحرمة أو التعظيم، وغيرها كما يحدث عرفاً لدى الزعماء وأرباب الوجاهات والمناصب والرئاسات.

فتعظيمهم وتوقيرهم وحرمتهم متفاوتة في الحضور والأثر بعد مماتهم حتى كان منهم من يرى فيه العكس.

بمعنى: كم من عظيم في الحياة الدنيا أصبح ذليلا في سيرته وذكره بعد مماته، ولا حاجة للاستشهاد ببعض الرموز، سواء في الحياة العامة للناس أو في سيرة بعض رموز المسلمين.

أو أن البعض يحاول أن يجرد الحرمة من صفة دوام اثارها بعد الممات، بحجة أن هذه الحرمة مرتبطة بحياة الشخص، أما بعد مماته فتنتهي هذه الحرمة، بل ينتهي كل شيء مما كان له في حياته.

وهذا الفكر الهدام الضال نجده في دعوى ابن تيمية الحراني في التعامل مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيقول في ذلك:

(وَأَمَّا دُعَاءُ الرَّسُولِ وَطَلَبُ الْحَوَائِجِ مِنْهُ وَطَلَبُ شَفَاعَتِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِن السَّلَفِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَصْدُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقَبْرِ مَشْرُوعاً لَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَكَذَلِكَ السُّؤَالُ بِهِ، فَكَيْفَ بِدُعَائِهِ وَسُؤَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؟)[1].

والنص فيه من الكذب والتجني على القرآن والصحابة ما فيه، ويكفي بزيفه وبطلانه اَدعاءه بأن أحداً من الصحابة لم يفعله، ولا نعلم أي أسلافه كان يعني، فإما أسلافنا وسيدهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقد كان قبر رسول الله(صلى الله عليه واله) مقصده  في الرزايا والمصائب لا سيما عند دفنه للبضعة النبوية.

وعليه:

تظهر القصدية الثانية في النص المتعلق بتكريم حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن هذه الحرمة لا تنحصر بزمان محدد، وإلاّ لانتفى جعل منتج النص (عليه السلام) أمر تولية أبني فاطمة (عليهم السلام) بقصد تكريم حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد موته، وذلك أن هذه الحرمة محصورة بحياته، كما افتى ابن تيمية بذلك مستنداً الى استقراء فعل أسلافه في التعامل مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد وفاته.

فقد تركوا جثمانه (صلى الله عليه وآله) ولم يحضروا وفاته ولم يشهدوا تغسيله وتكفينه ولم يصلّوا عليه!!! فقد ذهب الأسلاف الى سقيفة بني ساعدة بغية الجلوس على كرسي الخلافة والسعي في اثباتها، وأن تطلّب ذلك احراق بيت فاطمة وترويعها مع ابنيها(عليهم السلام).

ومن ثم:

فإن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) اَبتغى في جعل التولية على أمواله لأبني فاطمة (عليهم السلام) بيان دوام حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد وفاته وأن هذه الحرمة متصلة بفاطمة وأبنائها (عليهم السلام).

وهو ما ألتفت أليه كثير من المتلقين للنص، فقد دلَّ السياق العام لهذا النص وتغلغله لدى كثير من أعلام المذاهب الإسلامية أن حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حياً كحرمته ميتاً، فكان منهم:

1- ابن عربي (ت 543هـ).

(فقد بيَّن في حكم قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، إنّ حرمة النبي -(صلى الله عليه وآله)- ميتاً كحرمته حياً وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاظر أن لا يرفع صوته عليه ولا يعرض عنه كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به وقد نبَّه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الازمنة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وكلام النبي من الوحي وله من الحرمة ما للقرآن إلا معاني مستثناة بيانها في كتب الفقه، والله أعلم)[2].

2- القاضي عياض (ت 544هـ).

قال في بيان حرمة النبي (صلى الله عليه وآله) ، فقال:

(وأعلم أن حرمة النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته وذلك عند ذكره (صلى الله عليه -وآله- وسلم) وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه وسيرته ومعاملة آله وعترته وتعظيم أهل بيته[عليهم السلام] وصحابته.

 قال أبو إبراهيم التجيبي: واجب على كل مؤمن متى ذكره أو ذكر عنده أن يخضع ويخشع ويتوقر ويسكن من حركته ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه ويتأدب بما أدبنا الله به، قال القاضي أبو الفضل: وهذه كانت سيرة سلفنا الصالح وأئمتنا الماضين، حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأشعري وأبو القاسم أحمد بن بقى الحاكم وغير واحد فيما أجازونيه، قالوا: أخبرنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهاث، قال: حدثنا أبو الحسن على بن فهر حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا ابن حميد قال:

 ناظرا أبو جعفر (أمير المؤمنين)، مالكا في مسجد رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم]، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدب قوما فقال ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، ومدح قوما فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، وذم قوما فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ وإن حرمته ميتا كحرمته حيا.

 فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم]؟

 فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم (عليه السلام) إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله قال الله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.

وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوما في ذلك؟ فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم على ما ترون، ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا يبكى حتى نرحمه، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد [الصادق عليه وعلى أبائه وأبنائه السلام] وكان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] أصفر، وما رأيته يحدث عن رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] إلا على طهارة.

 ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليا، وإما صامتا، وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله عز وجل، ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة منه لرسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم].

 ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع، ولقد رأيت الزهري وكان من أهنأ الناس وأقربهم فإذا ذكر عنده النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] فكأنه ما عرفك ولا عرفته، لقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين فإذا ذكر النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] بكى فلا يزال يبكى حتى يقوم الناس عنه ويتركوه.

 وروى عن قتادة: أنه كان إذا سمع الحديث أحذه العويل والزويل ولما كثر على مالك الناس قيل له لو جعلت مستمليا يسمعهم، فقال قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ وحرمته حيا وميتا سواء، وكان ابن سيرين ربما يضحك فإذا ذكر عنده حديث النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] خشع، وكان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرأ حديث النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] أمرهم بالسكوت وقال (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) ويتأول أنه يجيب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند سماع قوله)[3].

وعليه:

فدوام حرمته (صلى الله عليه وآله) حياً كحرمته ميتاً وان مدّعى ابن تيمية وقصديته في مشروعية التوسل به (صلى الله عليه وآله) والالتجاء الى قبره ونفي فعل السلف في هذا التعامل ما هو الا مدّعى كاذب يراد به التعرض لحرمته (صلى الله عليه وآله) بعد موته.

من هنا: يتضح أن منتج النص (عليه السلام) قد أسس لهذه الشأنية في نفوس المتلقين لهذا النص بغية تحصين الأذهان من المساس بحرمة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد وفاته وأنها متصلة بأهل بيته(عليهم السلام) وليس كما أسس لها أهل السقيفة وبنو أمية وشيخ سنتهم ابن تيمية، وذلك عِبْرَ التثقيف على أنهما أبناء الإمام علي وفاطمة (عليهم السلام) لا أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ولذا:

 نجده(عليه السلام)  قد دأب على تعظيم حرمتهما طوال حياته لأنهما أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكان أمر توليتهما هو ضمن هذا المنهج الذي قصده (عليه السلام) في وجوب حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهما وهو ما سنتناوله في المسألة القادمة.[4].

الهوامش:
[1]       مجموع الفتاوى: ج1 ص233.
[2]       احكام القرآن: ج4 ص145.
[3]       الشفا بتعريف حقوق المصطفى: ج2 ص40-43.
([4]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فاطمة في نهج البلاغة، للسيد نبيل الحسني: ط: العتبة الحسينية المقدسة مؤسسة علوم نهج البلاغة. ج5/ ص 14-19.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1387 Seconds