من ضوابط فهم النص القرآني في نهج البلاغة: سادسًا: أحكام النص الروائي في التفسير والحديث

مقالات وبحوث

من ضوابط فهم النص القرآني في نهج البلاغة: سادسًا: أحكام النص الروائي في التفسير والحديث

216 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 01-07-2021

بقلم م. م. الشيخ محسن الخزاعي- جامعة الكوفة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين أساس الدين وعماد اليقين.

أما بعد:

سادساً: تحديد أحكام النص الروائي في التفسير والحديث
كان للسنة المطهرة أثر كبير في بيان مغازي القرآن الكريم سواء كان ذلك على مستوى التفسير، أو على مستوى التأسيس والتقعيد لضوابط الفهم الدقيق للقرآن الكريم، لذا فقد وقفت السنة المطهرة إلى جانب القرآن الكريم، وأسهمت مساهمة فاعلة في بيان الأحكام الشرعية المستنبطة من النصوص القرآنية المتمثلة بآيات الأحكام وغيرها من الآيات.

إلا أنَّ الأخذ بالسنة المطهرة يجب أن يكون وفق ضوابط وأسس؛ لأنَّ سنة المعصوم عليه السلام هي عبارة عن مفاهيم قرآنية تمثلها المعصوم فانعكست في قوله وفعله وتقريره، وعليه فهي تشترك مع القرآن الكريم من حيث النسخ وعدمه، والإجمال والتبيين، والإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص.... وما الى ذلك، فلابد إذن من معرفة أحكام النص الروائي الوارد عن المعصوم عليه السلام، ولاسيما إذا كان ذلك النص يحمل تفسيراً لبعض آيات الكتاب العزيز، لذا فقد ورد التأكيد من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على ضرورة الإمعان في النصوص الروائية الواردة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ولاسيما فيما يتعلق بتفسير كتاب الله العزيز، ويظهر ذلك التأكيد من خلال جوابه عليه السلام لسليم بن قيس الهلالي (ت 85هـ) عندما سأله قال: إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أنتم تخالفونهم فيها وتزعمون بأنَّ ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم قال: فأقبل عليَّ وقال: قد سألت فافهم الجواب: "إنَّ في أيدي الناس حقاً وباطلاً وصدقاً وكذباً وحفظاً ووهماً وقد كذب على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على عهده حتى قام خطيباً فقال: أيها الناس قد كثرت عليّ الكذابة فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ثم كُذب عليه من بعده، وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:

رجل منافق يظهر الإيمان متصنع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرج أنء يكذب على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم متعمداً....

ورجل سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يحفظه على وجهه ووهم فيه، ولم يتعمد كذباً فهو في يده يقول به ويعمل به ويرويه فيقول: أنا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلو علم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه، ولو علم هو أنَّه وهم لرفضه.

ورجل ثالث سمع من رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً أمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ ولو علم انه منسوخ لرفضه ولو علم المسلمون إذْ سمعوه منه أنَّه منسوخ لرفضوه.

وآخر رابع لم يكذب على اللّه ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفاً من اللّه، وتعظيماً لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يسهُ بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم الناسخ من المنسوخ فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فإنَّ أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ناسخ ومنسوخ وخاص وعام ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول اللّه الكلام له وجهان، كلام عام وكلام خاص مثل القرآن وقال اللّه عز وجل في كتابه: {...وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}([1])، فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى اللّه به ورسوله، وليس كل أصحاب رسول اللّه كان يسأله عن الشيء فيفهم وكان منهم من لا يسأله ولا يستفهمه حتى كانوا يحبون أن يجيء الإعرابي والطارئ، فيسأل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حتى يسمعوا ويفهموا..."([2]).

فمن خلال هذا الجواب يتضح جلياً حرص الإمام عليه السلام الشديد على توخي الدقة في التعامل مع النصوص الروائية الموروثة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، التي تحمل تفسيراً لبعض آيات القرآن الكريم، فهي تمثل واحدة من القواعد التفسيرية التي أصل لها الإمام عليه السلام في نهج البلاغة، إذ يمكن الإفادة منها في تفسير القرآن الكريم، ولاسيما التفسير الذي يعتمد الأثر مصدراً ومنهجاً، فلا بد له من معرفة ناسخ الرواية ومنسوخها، وعامها وخاصها، ومجملها ومبينها... وما إلى ذلك من أحكام([3]).

وبحسب التتبع لمناهج المفسرين في القرن الخامس عشر الهجري لم يعثر الباحث على أثر لهذه القاعدة في تفاسيرهم سوى بعض النقد الذي وجهه السيد العلامة الطباطبائي لطبقة المفسرين من التابعين من أمثال (مجاهد)، و(قتادة) و(أبن أبي ليلى) و(الشعبي) و(السدي) وغيرهم في القرنين الأولين من الهجرة، إذ قال: "فإنهم لم يزيدوا على طريقة سلفهم من مفسري الصحابة شيئاً غير أنهم زادوا من التفسير بالروايات، وبينها روايات دسها اليهود أو غيرهم، فأوردوها في القصص والمعارف الراجعة إلى الخلقة كابتداء السماوات وتكوين الأرض والبحار وإرم شداد وعثرات الأنبياء وتحريف الكتاب وأشياء أخر من هذا النوع"([4]).

منتقداً بذلك عملية أخذ الرواية التي تحمل تفسيراً من دون التأكد من صحة صدورها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو معرفة أحكامها وما يتعلق بها.

وعليه فقد أورد البحث هذه القاعدة في مؤخرة ما اورده من أسس وقواعد تفسيرية أصل لها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، نظراً لعدم اعتمادها بشكل واضح من مفسري القرن الخامس عشر الهجري.

  فهذا ما توصل إليه البحث من قواعد التفسير في نهج البلاغة، ولا أدعي أنني أحطت واستخلصت كل ما أَسس له الإمام عليه السلام في نهج البلاغة، وذلك لعظمة شخصية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. التي أنتجت هذا السفر العظيم الذي يجد الباحث نفسه أمام صعوبة كبيرة في استنطاق نصوصه وتحليلها.([5]).

الهوامش:
([1]) الحشر: 7.
([2]) نهج البلاغة، 2/190، الكافي، 1/ 62 64.
([3]) ظ : نهج البلاغة سراج الفكر وسحر البيان، (بحوث المؤتمر العلمي الأول )، عدي جواد الحجار، 5/38.
[4] الميزان، 1/ 4.
[5]) لمزيد من الاطلاع ينظر: أثر نهج البلاغة في تفاسير الإمامية، الشيخ محسن الخزاعي، طبعة مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص109-114.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1618 Seconds