مقاصدية قول الإمام علي (عليه السلام)  لمعاوية: «ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمّالة الحطب» / الحلقة: الثانية: زمان صدور النص وآثره في بيان موقف الإمام علي(عليه السلام) من قتلة عثمان.

مقالات وبحوث

مقاصدية قول الإمام علي (عليه السلام) لمعاوية: «ومنا خير نساء العالمين ومنكم حمّالة الحطب» / الحلقة: الثانية: زمان صدور النص وآثره في بيان موقف الإمام علي(عليه السلام) من قتلة عثمان.

437 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 24-03-2022

بقلم: السيد نبيل الحسني الكربلائي

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدّم من عموم نِعَمٍ ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها والصلاة والسلام على حبيبه المنتجب ورسوله المصطفى أبي القاسم محمد وعلى آله أساس الدين وعماد اليقين.

وبعد:
يضفي زمان صدور النص ومكانه الى مقاصدية النص قوة وبياناً في كشف كثير من الخبايا التي احاطت بواقع الأمة وما أسسه الأولون في بناء صورة مغايرة للإسلام المحمدي أدت الى هذا التناحر والتقاتل والتفرق.
فما جاء في كتاب معاوية الذي أرسله بيد أبي مسلم الخولاني إلا حلقة من حلقات ما أسسته السقيفة ورموزها، وثمرة من ثمارها.

ولذا:
يشكل زمان صدور النص ومكانه سبباً مكملاً لصدوره أيضاً ، فضلاً عن كشفه للنوايا التي كانت وراء كتابته كما مرَّ آنفاً وعلى لسان النقيب أبي جعفر شيخ ابن أبي الحديد المعتزلي.
وهو ما بدا واضحاً في النص التاريخي الذي رواه المنقري في وقعة صفين، وقد جاء فيه:
(إنّ أبا مسلم الخولاني[1] قَدِمَ معاوية في أناس من قرّاء الشام ، قبل مسير أمير المؤمنين عليه السلام إلى صفين، فقالوا له:
يا معاوية علام تقاتل عليا، وليس لك مثل صحبته ولا هجرته ولا قرابته ولا سابقته؟
قال لهم: ما أقاتل عليا وأنا أدعى أن لي في الإسلام مثل صحبته ولا هجرته ولا قرابته ولا سابقته، ولكن خبروني عنكم، ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما؟
قالوا: بلى.
قال: فليدع إلينا[2] قتلته فنقتلهم به، ولا قتال بيننا وبينه.
قالوا: فاكتب إليه كتابا يأتيه به بعضنا؛ فكتب إلى علي[عليه السلام] هذا الكتاب مع أبي مسلم الخولاني، فقدم به على علي، ثم قام أبو مسلم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: فإنك قد قمت بأمر وتوليته[3]، والله ما أحب أنه لغيرك إن أعطيت الحق من نفسك، إن عثمان قتل مسلما محرما[4] مظلوما، فادفع إلينا قتلته، وأنت أميرنا، فإن خالفك أحد من الناس كانت أيدينا لك ناصرة، وألسنتنا لك شاهدة، وكنت ذا عذر وحجة).

فقال له علي[عليه السلام]: «أغد عليَّ غدا، فخذ جواب كتابك».
 فأنصرف ثم رجع من الغد ليأخذ جواب كتابه فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء فيه، فلبست الشيعة أسلحتها ثم غدوا فملؤا المسجد وأخذوا ينادون: كلنا قتل ابن عفان، وأكثروا من النداء بذلك، وأذن لأبي مسلم فدخل على علي أمير المؤمنين[عليه السلام] فدفع إليه جواب كتابه معاوية، فقال له أبو مسلم:
قد رأيت قوما ما لك معهم أمر؛ قال: وما ذاك؟ قال: بلغ القوم أنك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان فضجوا واجتمعوا ولبسوا السلاح وزعموا أنهم كلهم قتلة عثمان.
فقال علي: «والله ما أردت أن أدفعهم إليك طرفة عين، لقد ضربت هذا الأمر أنفه وعينيه ما رأيته ينبغي لي أن أدفعهم إليك ولا إلى غيرك».

فخرج بالكتاب وهو يقول: الآن طاب الضراب)[5].
أذن: يكشف لنا النص أثار الزمان في تجلي مقاصدية منتج النص(عليه السلام)،وذلك
أنّ زمان صدور النص كان قبل تحرك الإمام علي (عليه السلام) من الكوفة متجهاً الى الشام لقتال الفئة الباغية وزعيمها معاوية بن أبي سفيان وحزبه، وهذا يكشف عن أمور، منها:

1- إنّ تحرك أبو مسلم الخولاني مع قرَّاء أهل الشام وقع بعد انكشاف فتنة الجمل وأرجاع عائشة الى المدينة واتضاح رموز الفتنة والقضاء عليهم، ومن ثم فإن هذا التحرك من قرَّاء الشام ما كان ليقع لولا إندحار أقطاب الناكثين في معركة الجمل.

2- إن الحديث الذي ابتدأه القرَّاء مع معاوية يكشف عن معرفتهم بحقيقة هذه الحرب فأرادوا حفظ دماء أهل الشام الذين -الى هذه اللحظة- كانوا يعتقدون أن معاوية يسير بهم الى حرب الإمام علي (عليه السلام) دون هدف مسوغ وشرعي، وإنما لأستئثاره بالسلطة؛ ولذا قالوا لمعاوية: (علام تقاتل علي -عليه السلام- وليس لك مثل صحبته، ولا هجرته، ولا قرابته، ولا سابقته)؟

3- تغيير معاوية لحقيقة الواقع الذي عرضه القرَّاء، أي: أنه أدرك أن قرَّاء أهل الشام لا يمكن له أن يكذب عليهم فيقول (أنا لي منقبة مما ذكرتم)؛ ومن ثم سيقوم هؤلاء القرّاء بالتأثير على الناس وتغيير توجهاتهم نحو معاوية بأنه كاذب ويسعى من أجل السلطة؛ فقد أدعى زوراً وكذباً بأن له مثل ما لعلي عليه السلام من (هجرته وقرابته وسابقته).
ولذا: احتال عليهم بقضية مقتل عثمان بن عفان وأنه يطالب بدمه ملقياً بذلك في عهدة الإمام علي (عليه السلام) بلحاظ أنه يمتنع من تسليمهم إليه مع علمه ويقينه أنّ الإمام علي (عليه السلام) لا يمكن له أن يسلّم له رجلاً واحداً ممن قتل عثمان بن عفان ولأسباب عدة كان معاوية يعلمها قبل غيره، منها:

1- إنَّ عثمان بن عفان وبناءً على النصوص الكثيرة من أعتراض الصحابة عليه لاسيما عائشة فقد لقى جزاءه بيده بعد أن غير وبدّل في شرع الله ورسوله (صلى الله عليه وآله)؛ ومن ثم لا يأخذ المظلوم بجريرة الظالم.

2- إنَّ تسليم أي أحدٍ ممن أشترك بقتل عثمان بن عفان يكون اقراراً بصحة ما كان عليه عثمان، وأنه صاحب حق فيما صنع، وهذا يقصم ظهر الحق والسُنّة المحمدية التي امتلأت بدعاً ومحدثات على يدي معاوية وأسلافه.

3- إنّ الذين اشتركوا في قتل عثمان بن عفان صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإنّ تسليم أي أحدٍ منهم سيلحق بالإمام علي (عليه السلام) ضرراً أعظم من ضرر حرب معاوية إذ سيقال أن الإمام علي (عليه السلام) قد قتل صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولأغتنم معاوية هذه الفرصة فيعفوا عنهم بلحاظ أنه من أولياء الدم كما يدّعي فهو ابن عمه الأموي وحينها يكون معاوية صافحاً عن صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كريم النفس حافظاً للسنة معزاً للصحابة.
فضلاً عن أن معاوية سيتركهم فترة من الزمن ثم يقوم بقتلهم وتصفيتهم كما قام مروان بن الحكم بقتل طلحة بن عبيد الله في معركة الجمل وهو يقاتل الى جنبه وفي حزبه ،  فرماه بسهم فوقع في ركبته ومات من نزف الدم.
وكما قتل معاوية عائشة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) بعد أن حفروا لها حفيرة فسقطت فيها هي وحمارها؛ وكما قام بقتل محمد بن أبي بكر، وحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي وغيرهم.

4- إنّ على رأس من أشترك بقتل عثمان هي عائشة، ومن ثم كيف يسلّمها الإمام علي (عليه السلام) لمعاوية مع علم أهل الشام بذلك كما يروي ابن شبة النميري في تاريخ المدينة:

أ- دخل أبو مسلم الخولاني الشام فوجدهم ينالون من عائشة في شأن عثمان، فقال لهم:
(يا أهل الشام، أضرب لكم مثلكم ومثل أمكم هذه، مثلكم ومثلها كمثل العين في الرأس تؤذي صاحبها ولا تستطيع أن تعاقبها الا بالذي هو خير لها)[6].

ب- روى عن قتادة أن عبد الله بن اذينة العبدي لما بلغه قدوم طلحة والزبير ركب فرسه فتلقاهما قبل أن يدخلا البصرة؛ فإذا محمد بن طلحة بن عبيد الله، وكان يقال له الساجد من عبادته، فقال له: من انت؟، قال انا محمد بن طلحة، قال: والله اني كنت لاحب ان القاك، فقال له محمد: من انت؟
قال: عبد الله بن اذينة، فأخبرني عن قتل عثمان.
قال أخبرك أن دم عثمان ثلاثة أثلاث، ثلث على صاحبه الخدر -يعني عائشة- فلما سمعته يقول ذلك شتمته وأساءت له القول.

فقال: يغفر الله لك يا أمتاه...)[7].
ج ـ وروى فخر الدين الرازي(ت606هـ)، في بيانه لعدالة الصحابة وما جرى بين عثمان وعائشة ، أنها كانت: (تحرض عليه جهدها وطاقتها وتقول: أيها الناس هذا قميص رسول الله (صلى الله عليه]وآله] وسلم) لم يبل وقد بليت سنته اقتلوا نعثلا ، قتل الله نعثلا)[8]

اذن:
وجد معاوية أن خير وسيلة لجمع اهل الشام على قتال الامام علي (عليه السلام) هي أمتناعه من تسليم قتلة عثمان بن عفان، فقام فكتب هذا الكتاب إليه -مورد البحث- وأرسله بيد أبي مسلم الخولاني ليكون شاهداً ومؤثراً في تغيير ثقافة قراء أهل الشام، معززاً ذلك بمجموعة من المضامين التي تعلقت بالشيخين أبي بكر وعمر ليجمع بذاك جميع العوامل العقدية والمذهبية التي عليها أهل الشام في تعظيم الخلفاء وتبجيلهم موضحاً أن الأمر لا ينحصر بعثمان فقط، وانما بالخلفاء الثلاثة ولذلك خاطبه قائلاً:
(فكان أفضلهم في اسلامه، وانصحهم لله ولرسوله الخليفة من بعده، وخليفة خليفته، والثالث الخليفة المظلوم عثمان، فكلهم حسدت، وعلى كلهم بغيت...).

من هنا:
كان جواب الإمام علي (عليه السلام) محيطاً بكل هذا الفكر الهدام آخذاً بجوامع الشبهات داكاً لها بمطارق الحق الذي يدور معه حيث ما دار؛ لاسيما وأن الزمان الذي لأحاط بصدور النص كان بين حربين وعقيدتين، فمن قتال الناكثين الى قتال القاسطين، وبين هذا وذاك شبهات ومعضلات تفقد اللبيب الحذق صوابه إلاّ من عصم الله وكان صادقاً فيما عاهد الله عليه([9]).

الهوامش:
[1] أبو مسلم الخولاني الزاهد الشامي من قّراء أهل الشام، هو عبد الله بن ثوب، بضم المثلثة وفتح الواو، وقيل بإشباع الواو، وقيل ابن أثوب بوزن أحمر، ويقال ابن عوف وابن مشكم، ويقال اسمه يعقوب بن عوف، وكان ممن رحل إلى النبي فلم يدركه، وعاش إلى زمن يزيد بن معاوية (لعنه الله)، وللمزيد ، أنظر: (تقريب التهذيب لابن حجر: ص612 وغيره).
[2] ح: (3: 407): «فليدفع إلينا».
[3] ح: (3: 408): «وليته».
[4] محرما: أي له حرمة وذمة، أو أراد أنهم قتلوه في آخر ذي الحجة، وقال أبو عمرو: أي صائما، ويقال أراد لم يحل بنفسه شيئا يوقع به، فهو محرم؛ وبكل هذه التأويلات فسر بيت الراعي، الذي أنشده صاحب اللسان (15: 13): قتلوا ابن عفان الخليفة محرما * ودعا فلم أر مثله مقتولا وانظر خزانة الأدب (1: 503-504).
[5] وقعة صفين لابن حزم المنقري: ص85؛ الاخبار الطوال لابن قتيبة: ص163.
[6] تاريخ المدينة لابن شبة: ص174.
[7] نفس المصدر السابق.
[8] المحصول: ج4 ص343
([9]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فاطمة في نهج البلاغة، للسيد نبيل الحسني: ط: العتبة الحسينية المقدسة مؤسسة علوم نهج البلاغة. ص 150 -156.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1795 Seconds