من كلام الإمام علي (عليه السلام) في كتب غريب الحديث قال عليه السلام: ((فقأت عين الفتنة))

مقالات وبحوث

من كلام الإمام علي (عليه السلام) في كتب غريب الحديث قال عليه السلام: ((فقأت عين الفتنة))

415 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 21-01-2024

بقلم: الباحثة زهراء حسين جعفر

الحمدُ لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، وسببا للمزيد من فضله، ودليلا على آلائه وعظمته، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالضياء، وقدمه في الاصطفاء، وجعله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

أما بعد:
قال الإمام (عليه السلام): ((أنا فقأت عين الفتنة))([1])، كما ورد كلامه (عليه السلام) في نهج البلاغة بعد الحمد والثناء على الله-عزَّ وجلَّ- قال: ((....أيها الناس! فإني فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري بعد أنْ ماج غيهبها، واشتَدَّ كَلبها))([2]).
قال ابن فارس: الفاء والقاف والهمزة يدل على فتح الشيء وتفتحه...يقال تفقأت السحابة عن مائها إذا ارسلته كأنها تفتحت عنه...([3]). وقيل تفقأت: أي تشققت وانفقأت عينه أي: انشق، وفَقْأً فانْفَقَأَتْ وتَفَقَّأَتْ: أي كسَرَها. وَقِيلَ قَلعها وبَخَقَها([4]). وعن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: ((لا يرى أحدٌ عَوْرتي...إلاّ انْفَقَأت عيناه))([5]) يتبين من ذلك أنَّ مَعْنى انفقأ: انْشَّقَ، افَتَحَ، انْقَلَعَ مَفَادَهُ إلى الزّوال. وكذا معنى ((الغيهب: الظلمة، وشِدَّةُ سَوادِ اللَّيْلِ والجمع غياهب))([6])
التركيب الغريب في قوله (عليه السلام) (فقأت عين الفتنة)، أما معنى (فقأت) فلا يمكن تحديد معناها إلا بملاحظة الوحدات التي تقع مجاورة لها([7])،من أجل ذلك يكون التركيز على معنى (عين الفتنة)، وفقئه (عليه السلام) عين الفتنة  أي: إقدامه عليها حتى أطفأ نارها، أي: جعل للفتنة عينا محدقة يهابها الناس، فأقدم هو عليها، ففقأ عينها، فسكنت بعد حركتها وهيجانها وهذا من باب الاستعارة، فقد شبّه الفتنة بشبح وحشي كاسر، وإذا فقأت عينه سلبت قدرته وحيويته، استنادا الى قوة ملاحظته (عليه السلام)، وثقته بشجاعته بتخصيص الحكم بالضمير المتصل الذي يعود لشخصه الكريم، فقد كان يتجه في مجابهته للفتنة إلى مراكزها الأصلية ورموزها الأساس، فالفتنة تزول إذا مازال مركزها...([8])، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيره؛ لأن الناس كلهم كانوا يهابون قتال أهل القبلة، ولا يعلمون كيف يقاتلونهم([9])، فلولا أن الإمام علياً (عليه السلام) هو مقرر الشريعة ومثبت لها، وشجاعته يضرب بها المثل لما اجترأ  أحد على سل السيف في وجه أهل الفتن في يوم الجمل، وما أقدم أحد عليها؛ لأنه هو وحده الكفؤ للقضاء على الفتن ودفع الشبهات. وإن دلَّ على شيء فإنِّما يدلُّ على شجاعته والتاريخ يشهد له بذلك وهذه من الصفات الحسنة)([10]).

الهوامش:
([1]) غريب الحديث في بحار الأنوار: 3/198، 3/331، ومَعْنَى الفِتْنَة: الامْتِحانِ والاخْتِبار...ويُقَالُ: فَتَنْتُه أَفْتِنُه فَتْناً وفُتُوناً: إِذَا امْتَحَنْتَه، والفِتنةُ: أن يَفتِنَ اللهُ قوما أي يبتليهم.(ينظر: العين: (فتن)8/127، والنهاية: 3/410.)، وقد اختلفت أقوال الشرّاح في المراد بهذه الفتنة، فقد ذهب بعضهم إلى أنّ المراد بها وقعة الجمل، حيث أصابت فيه الحيرة السذج من الأفراد، في حين ذهب بعضهم الآخر إلى أنّ المراد بها فتنة الخوارج من النهروان لأن ظاهر الخوارج كان يتصف بنوع من الصلاح والقدسية، رغم انحرافهم الباطني..، كما ذهب بعض الشرّاح إلى أنّ المراد بها الفتنة بمفهومها العام، حيث يعتقدون  أنّ هذه الفتن قد بدأت على عهد رسول الله(صلى الله عليه واله)في وقعة بدر واستمرت في سائر الغزوات، ثم استفحلت وتفاقم خطرها بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ليواجهها الإمام(عليه السلام) بالسيف أحياناً، وبالصبر والتحمل والتحذير والنذير أحياناً اُخرى. ينظر: نفحات الولاية: الشيرازي: 4/136.
([2]) نهج البلاغة بشرح ابن ابي الحديد: 7/44، قال ابن منظور في معنى (كَلب) وهو داء معروف يصيب الكلاب، فكل من عضته أصيب به فجن ومات إن لم يبادر بالدواء.  لسان العرب، (كلب): 1/722-723.ومعنى اشتد كلبها: أي اشتد شرها وأذاها. (نهج البلاغة بشرح ابن ابي الحديد: 7/46).    
([3]) مقاييس اللغة، (فقأ): 4/442.
([4]) ينظر: لسان العرب: (فقأ) 1/123.
([5])  الأمالي: 2/620، بحار الانوار: 78 / 302.
([6]) لسان العرب (غهب)1/653.
([7]) ينظر: علم الدلالة، احمد مختار عمر: 68-69.
([8]) ينظر: نهج البلاغة بشرح ابن ابي الحديد: 7/45، نفحات الولاية: 4/136-137. 
([9]) ينظر: نهج البلاغة بشرح ابن أبي الحديد: 7/45، وذكر الإمام علي (عليه السلام) الفتنة فقال: (يمحص الناس فيها) أي يختبرون. غريب الحديث: ابن الجوزي: 2/345.
 ([10]) مزيد من الاطلاع ينظر: كلام الإمام علي عليه السلام في كتب غريب الحديث/دراسة في ضوء نظرية الحقول الدلالية، تأليف زهراء حسين جعفر، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، 134-136.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.5573 Seconds