القضايا الكلامية والتأملات الكونية كما تبدو في نهج البلاغة نظرة علي (عليه السلام) إلى الحياة كما تبدو في نهج البلاغة 2- فكر علي(عليه السلام) بين التصوف والزهد

مقالات وبحوث

القضايا الكلامية والتأملات الكونية كما تبدو في نهج البلاغة نظرة علي (عليه السلام) إلى الحياة كما تبدو في نهج البلاغة 2- فكر علي(عليه السلام) بين التصوف والزهد

224 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 30-12-2025

بقلم: د. جليل منصور العريَّض

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

أما بعد:

يبدو أن فكر علي عليه السلام من الثراء والشمولية والعمق بحيث حاولت كل فرقة من الفرق الإسلامية أن تنسب إليه أسلوبها الفكري بالنهل من ثرواته بما يتناسب ومنهجها، وقد حدثنا ابن أبي الحديد عن ذلك بالتفصيل([1])، وبصدد علم التصوف يقول فيه «اعلم ان الكلام في العرفان، لم يأخذه أهل الملة الإسلامية الا من هذا الرجل (يعني علياً عليه السلام) ولعمري لقد بلغ منه أقصى الغايات، وأبعد النهايات»([2]) وابن أبي الحديد حين يتبنى تلك الفكرة، لم تتولد عنده من فراغ، لأننا لو رجعنا إلى ما أثر عن الصوفية من أقوال، فسنجد أنهم يعتبرون عليا عليه السلام ، قطبهم الذي أخذوا عنه علمهم إذ يرى ابن الفارض([3]) (ت632) أن عليا عليه السلام قد تصدى لإيضاح مشكل تأويل القرآن بعلمه الذي تلقاه عن النبي صلى الله عليه وآله بوصية منه كما في قوله (طويل)

وأوضح بالتأويل ما كام مشكلا              عــلي، بعــلم نــاله بالــوصية([4])

وعلم التأويل الذي يعنيه ابن الفارض، هو ما يوافق في اصطلاح الصوفية (علم الحقيقة) الذي يختص به العارفون منهم، على أساس تقسيم الناس بحسب معرفتهم الله سبحانه، على ثلاثة اقسام([5]) كما ورد عند ابن عطاء الاسكندري الشاذلي،([6])، (ت 709) وهو مستوحى، على ما نعتقد، من تقسيم علي عليه السلام للناس من ناحية المعرفة إلى ثلاثة اقسام «عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع»([7])ولمنزلة علي عليه السلام العملية في الفكر الصوفي، فقد عدّوه «النبأ العظيم، وفلك نوح، اي: الجمع والتفصيل، باعتبار الحقيقة والشريعة، لكونه جامعا لهما»([8]).

لذا فقد تركت مأثورات علي عليه السلام بصماتها واضحة فيما رواه المتصوفة من اقوال في الزهد والتقشف ونبذ الدنيا، منها على سبيل المثال، ما رواه الشريف المرتضى من أن جل مأثورات الحسن البصري (ت110) «في المواعظ وذم الدنيا... مأخوذ لفظا ومعنى أو معنى دون لفظ من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام »([9])، وقد أورد من كلام الاثنين نماذج تؤكد ذلك، ومنه أيضاً ما روي عن مالك بن دينار([10]) (ت 130 هـ) قوله لرغيف خبز اشتهاه «اشتهيك منذ أربعين سنة فغلبتك، حتى كان اليوم وتريد أن تغلبني، إليك عني»([11]) وهو مستوحى من كلام علي عليه السلام «لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما، وتقنع بالملح مأدوما»([12]).
وممن أخذ بقسط وافر من معاني علي عليه السلام ، المتصوفة الزاهدة، رابعة العدوية([13]) (ت 180 هـ) من ذلك ما روي عنها «من أحب شيئا أكثر من ذكره»([14]) وهو متأثر بقول علي عليه السلام «من عشق شيئا اعشى بصره وامرض قلبه»([15])، ومنه قولها أيضاً «ان السلامة من الدنيا ترك ما فيها»([16])وهو مأخوذ من قول علي عليه السلام «الا وان الدنيا دار لا يسلم منها إلا فيها»([17]).
ولذي النون المصري([18]) (ت 240) الكثير من الاقوال المتأثرة في معانيها بما يروى عن علي عليه السلام أيضاً: من ذلك ما قاله في سبب نصب العباد وضناهم في هذه الدنيا «ذكر المقام، وقلة الزاد وبعد السفر»([19]) ويكاد يكون تأثره بمعاني علي عليه السلام بينا، في ذكره لصفات المؤمنين، وإن كان بين أسلوبي التناول بون شاسع تكاد معاني ذي النون تتضاءل إزاء معاني علي عليه السلام ([20]).

إضافة إلى ذلك فلقد حاول معظم المتصوفة التزيي بمثل ما كان علي عليه السلام يلبس «حتى انهم لما اسندوا الباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم وتحليتم وقفوه على علي رضي الله عنه»([21])، وكأنهم استلهموا ذلك من تصرفه الكامن في قوله «والله لقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها عنك؟ فقلت: اغرب عني، فعند الصباح يحمد القوم السرى»([22]).
ومحاولة لتوكيد نسبة التصوف لعلي عليه السلام، فلقد تناول بعض شراح نهج البلاغة نصوصا منه، بتحليل معانيها تحليلا صوفيا، متأولين بعض تعبيرات علي عليه السلام على انها مصطلحات صوفية قد ابتكرها للغرض ذاك.

يتناول ابن أبي الحديد النص السادس والثمانين من باب الخطب بالتحليل والشرح، سالكا في ذلك أسلوب المتصوفة في تأويل المعاني معلقا على النص بقوله «وأعلم أن هذا الكلام منه أخذ أصحاب علم الطريقة والحقيقة علمهم، وهو تصريح بحال العارف ومكانته من الله تعالى([23]) وتبلغ تأويلات المتصوفة ذروتها في شرح النص عند ميثم البحراني، حيث تكرر تعبيرات الصوفية ومصطلحاتهم مثل (شروق المعارف الإلهية على مرآة سره، استكثر من ذكره حتى صار الذكر ملكة له، وتجلى المذكور في أطوار ذكره، الكمالات النفسية التي تفاض على العارف، الوصول إلى مراحل عزة الله، وتوجيبه سره إلى مطالعة أنواره واستشراقها، قد وقف عليها العارفون ودخلوا منها إلى حضرة جلال الله...»([24]) إلى غير ذلك من مصطلحات صوفية (كالعارف والسالك، والاشراق)([25]) بحيث استحال النص إلى معرض للفكر الصوفي.
لكن لو تأملنا النص بنظرة محايدة، خالية من كل أفكار مسبقة، بعيدة عن أية تأويلات لمعاني مفرداته وعباراته، سنجد أنه لا يغدو كونه وصفا مثاليا لعباد الله المتقين، الذين كان يتمناهم علي عليه السلام فيمن حوله من رجال. بعد ان عايش نماذج منهم في واقع الحياة ممثلين في صحابة الرسول صلى الله عليه وآله، ممن عمّر الإيمان قلوبهم، فاستحال الإسلام في نفوسهم إلى علم مقرون بعمل، وتركوا الحياة ولم يرزأوا من حطام الدنيا شيئا، فإيمانهم لم يكن سلبيا استبطانيا مقصورا على التأمل والرحلات الروحية، فالواحد منهم كما يصفه علي عليه السلام «مصباح ظلمات كشاف عشوات مفتاح مبهمات دفاع معضلات، دليل فلوات»([26]) أي أنه بجانب إيمانه العميق وتورعه عن المحظورات، فإنه متفاعل مع مجتمعه تفاعلا تاما بحيث لا يترك مجالا لمشاركة في اصلاح أو بناء إلا أمّه، ويتجلى ذلك بمعنى من خلال صيغ المبالغة «كشاف، مفتاح، دفاع» اي انه في تواصل تام ومستمر مع الناس في كل طريق يؤدي إلى الخير والسعادة، وتفاعله ذاك، جعله كما يقول علي عليه السلام يلزم نفسه «العدل، فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه يصف الحق ويعمل به، ولا يدع للخير غاية إلا أمها، ولا مظنة إلا قصدها»([27]) وكل تلك الصفات تنفي عنه السلبية التي تقبع الإنسان داخل ذاته، ففكرة النص كما نتصورها، بعيدة عن الفكر الصوفي المحبوس داخل التأمل الروحي والمقصور على الزهد السلبي، وليس أدل على ذلك بأن الفكرة الثانية من النص المتممة له تعمد إلى وصف حال الجهال بحقيقة الإيمان في شخص من «تسمى عالماً»([28]) فمضمون النص هو كشف لحقيقة العالم وفهمه للحياة من منظور اسلامي، وقد تناوله علي عليه السلام بالعلاج من زاويتيه الايجابية والسلبية، في محاولة منه لتبصير أصحابه بالعالم العارف بقيمة الحياة المتزن في معاملاته وفي أسلوب عيشه بما يرضي ربه ويعود بالنفع على مجتمعه.

واستكمالا لما قيل عن فكر علي عليه السلام التصوفي، نعرج على قوله «قد اجبى عقله، وأمات نفسه حتى دق جليله، ولطف غليظه، وبرق له لامع كثير البرق، فأبان له الطريق، وسلك به السبيل، وتدافعته الابواب إلى باب السلامة، ودار الإقامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة في دار القرار والأمن والراحة، بما استعمل قلبه، وأرضى ربه»([29]). فلقد أوردنا النص كاملا، كما ذكره الشريف الرضي وهو على ما يبدو مجتزا من خطبة أو موعظة، أو رسالة، لأن سياقه يشعرنا انه مفصول عن كلام سابق عليه، كان بودنا لو عثرنا عليه، لنكون صورة كاملة عن فكرة النص، نستطيع على ضوئها معرفة مراد علي عليه السلام من وصفه ذلك، ومن هو المعنى بتلك الصفات، وعلى كل فالنص بشلكه الذي بين أيدينا، قابل للتأويل بحسب وجهة نظر قارئه والمتأمل في عباراته، فابن أبي الحديد قد وجه معانيه توجيها صوفيا خالصا، حين الحق به فصلا في مجاهدة النفس([30]) وثان في الرياضة النفسية([31]) وثالث في تأثير الجوع في صفاء النفس([32])، ورابع في المكاشفات الناشئة عن الرياضة النفسية([33])، وكلها تتعلق بفلسفة التصوف، وفي ظل تلك الفصول الأربعة قام بشرح النص، فاستحال من وجهة نظره إلى صفات (العارف) في المفهوم الصوفي، في سلوكه الطريق للوصول إلى ذات الله، بأعمال العقل ومجاهدة النفس بالجوع والعطش وحرمانها ملاذ الحياة، والتدافع في رحلة النفس من باب إلى باب، بعد اشراق نور الإيمان في قرارة النفس بعد ترويضها، فاستجابت وثبتت بطمأنينة وراحة على اعتاب الذات القدسية، فالبراق اللامع ضمن النص كما يراه ابن أبي الحديد «هو حقيقة مذهب الحكماء وحقيقة قول الصوفية أصحاب الطريقة والحقيقة»([34]) والتدافع من خلال الأبواب هو «من مقام من مقامات القوم إلى مقام فوقه»([35]) وهو ما يطلق عليه الصوفية عبارة (الرحلة الروحية)([36]).
وبنفس الأسلوب يتناول ميثم البحراني شرح النص بالتمهيد له بالقول «هذا فصل من أجل كلام له في وصف السالك المحقق إلى الله، وفي كيفية سلوكه، وأفضل أموره»([37]).

ونحن لا نتفق مع الشارحين فيما ذهبا إليه من تأويل، ذلك أن قول علي عليه السلام بإحياء العقل، من وجهة نظرنا، هو أعماله في التدبر، وتغليب حكمه في التصرفات الإنسانية على وساوس النفس بكبتها وهو ما كنى عنه بالقول (وأمات نفسه) أي زجرها وصدها، أما قوله (حتى دق جليله ولطف غليظه) فليس يعني به مجاهدة النفس «بالجوع والعطش والسهر والصبر على مشاق السفر والسياحة»([38]) بل المقصود به صفاء فكره، وتواضع نفسه، فاستطاع ان يشق طريقه في الحياة باستنارة عقله، بمأمن عن كل ما يسيء إليه ويزل قدمه، فكانت راحته بإرضاء ضميره في تعامله مع الناس، وسلامة نفسه بسلوكه الطريق التي ترضي ربه، فالنص في أساسه مبني على فكرة علي عليه السلام في تعامل الفرد مع المجتمع من حوله، بحيث يمكننا اعتبار فكرة النص، تتمثل في توجيه تربوي للفرد ضمن الجماعة، من خلال اعمال العقل في التصرفات الفردية وتلافي السقوط في مهاوي الشهوة، والنأي بالنفس عن الانانية وحب السيطرة في التعامل مع الحياة، وهو ما نتفق فيه مع ما ورد عند محمد جواد مغنية: بأن غرض علي عليه السلام من النص «ان يكون كل مسلم صورة مثلى للإسلام على طراز»([39]) ذلك المسلم الذي وصفه.
ثم ان قول علي عليه السلام «لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً»([40]) لا يحمل في مضمونه أي بعد صوفي حتى لو حاولنا تعسف تأوليه، لأن الحرف (لو) يحول دون ذلك التأويل على أساس أن معرفة ما وراء المحسوسات هو من المستحيلات فعلي عليه السلام يقصد من المقولة، ان إيمانه بالله سبحانه وتعالى قد بلغ من القوة والمتانة والأحكام، مما لا يحتاج معه إلى مزيد من البراهين الماورائية التي تقوي من دعائم ذلك الإيمان(([41]).

الهوامش:
([1]) راجع شرح النهج 1/17 وما بعدها.
([2]) شرح النهج 11/72.
([3]) راج ترجمته ـ عند عباس القمي ـ الكنى والالقاب 1/363.
([4]) ديوانه ص 105 ـ صادر.
([5]) راجع ذلك التقسيم عند: أبي بكر محمد الكلاباذي ـ التعرف لمذاهب أهل التصوف ص 64.
([6]) راجع ترجمته عند: عباس القعي ـ الكنى والألقاب 1/345.
([7]) حكم ـ 145ـ فقرة 2.
([8]) تفسير ابن عربي 2/755.
([9]) أمالي المرتضى 1/153.
([10]) راجع ترجمته في سير أعلام النبلاء 5/362.
([11]) أبو نعيم الحافظ ـ حلية الأولياء 2/362.
([12]) رسائل ـ 45 فقرة 5.
([13]) راجع ترجمتها في سير أعلام النبلاء 8/241.
([14]) السابق.
([15]) خطب ـ 108 فقرة 3.
([16]) ابن الجوزي ـ صفة الصفوة ـ 4/29.
([17]) خطب ـ 62.
([18]) راجع ترجمته في سير اعلام النبلاء 11/532.
([19]) أبو نعيم السابق 9/346. وقارن القول بما ورد بنفس المعنى عند عليg حكم ـ 75.
([20]) يمكن المقارنة بين القولين بمراجعة مقولة ذي النون في حلية الأولياء 9/346، 349 بما ورد من صفات ضمن الخطبة 287.
([21]) مقدمة ابن خلدون ص 630.
([22]) خطب ـ 161ـ فقرة 2.
([23]) شرح ابن أبي الحديد 6/365 وللاطلاع على الشرح كاملا من ص 367 حتى 372.
([24]) شرح ميثم البحراني 2/291، 292.
([25]) العارف ـ من المعرفة التي يقسمها الصوفية على قسمين:
أـ معرفة استدلالية، وهي معرفة الخالق سبحانه بالاستدلال بالآيات على خالقها، وهي درجة الراسخين في العلم.
ب ـ معرفة شهودية ومبناها الاستدلال بالله سبحان على الآيات التي خلقها، وهي درجة الصديقين أصحاب المشاهدة، وهم العارفون عند الصوفية. راجع: التهانوي ـ كشاف اصطلاحات الفنون 2/995 ـ996. والسالك: في المفهوم الصوفي هو الذي يطهر نفسه من جميع الدنايا الدنيوية بسلوك الطريق الاقوم، وهو الانتقال من منزل عبادة بالمعنى وانتقال بالصورة من عمل مشروع على طريق القربة من الله إلى عمل مشروع بطريق القربة إلى الله بفعل وترك...وانتقال من مقام إلى مقام ومن اسم إلاهي إلى اسم، ومن تجل إلى تجل، ومن نفس إلى نفس ـ التهانوي السابق 1/686، وسعاد الحكم ـ المعجم الصوفي ص 585.
([26]) خطب ـ 86ـ فقرة 1.
([27]) خطب ـ 86 ـ فقرة ـ1.
([28]) السابق ـ فقرة 2.
([29]) خطب ـ 216.
([30]) راجع شرح النهج 11/ 127.
([31]) المصدر السابق نفسه 11/ 134.
([32]) المصدر السابق نفسه 11/137.
([33]) المصدر السابق نفسه.
([34]) شرح ابن أبي الحديد 11/137.
([35]) المصدر السابق نفسه11/ 141.
([36]) الرحلة ـ راجع سالك ص 576 إحالة (3) من هذا البحث، هامش ـ ب ـ فانتقال السالك من مقام إلى مقام، هو ما يسمى بالرحلة عند المتصوفة.
([37]) شرح ميثم 4/53.
([38]) شرح ابن أبي الحديد 11/137.
([39]) في ظلال نهج البلاغة 3/284.
([40]) شرح ميثم المئة المختارة ص 52.
([41]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور جليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 572-580.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0962 Seconds