مِنَ الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) الحلقة (17): التوجيهات النحوية للفظة (خصمان) وما يتعلق بها

مقالات وبحوث

مِنَ الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) الحلقة (17): التوجيهات النحوية للفظة (خصمان) وما يتعلق بها

49 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 29-01-2026

بقلم: رضي فاهم عيدان

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله وكما يستحقه حمدًا كثيرًا وأعوذ به من شر نفسي إنّ النفس لأمارةٌ بالسوء إلاّ ما رحم ربي، والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمّدٍ الأمين وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

إما بعد:
وردتْ لفظةُ (خَصْمان) في الآيةِ الكريمةِ بلفظ المثنى والمعنى فيها الجماعة؛ ويدلُّ عليه الواو في (اختصمُوا) والعربُ تستعملُ المثنى بمعنى الجماعة من باب الحمل على المعنى ([1]) ، وفي الآية التي صدرت البحث ما يشير إلى هذا المعنى ، وهو ما أشار إليه أبو البقاء العكبري (ت616هـ)، قال:(( قوله تعالى(خصمان) هو في الأصلِ مصدرٌ، وقد وُصف به، وأكثرُ الاستعمالِ توحيده : فَمن ثنَّاه وجَمعهُ حملهُ على الصفاتِ والأسماء . و (اختصمُوا): إنما جُمع حملاً على المعنى ؛ لأنَّ كلَّ خصمٍ فريقٌ فيه أشخاص)) ([2])  فلفظة(خَصْمَان) تُشير إلى معنى الفوجِ أو الفريق أو الطائفة المشتملِ على الجماعةِ من الناس ([3]) .

(هذان):
   وقد أُسندت هذه اللفظةُ (خصمان) إلى اسم الإشارةِ (هذان) مما أكسبَها معنى الحضورِ والمشاهدة والتعريف بها ، وتمُّيزُها على أكملِ وجه ، قال سيبويه :((فأمَّا المبنيُّ على الأسماءِ المبهمةِ فقولُك: هذا عبدُ الله مُنطلقاً، وهؤلاءِ قومُك منطلقين، وذاك عبدُ الله ذاهباً، وهذا عبدُ الله معروفاً. فهذا اسمٌ مبتدأ يُبنى عليه ما بعده وهو عبد الله...وقد يكون هذا وصَواحبُه بمنزلة هو، يُعرَّف به، تقول: هذا عبدُ الله فاعرفْه ؛ إلاّ أنَّ هذا علامةً للمضمَر، ولكنك أردت أن تعرّف شيئاً بحضرتك.)) ([4]) ومما يزيدُ في حضورِ المُشار إليه وقربِه ، وجودُ هاءِ التنبيه في تأدية هذا المعنى ؛ قال الرضيُّ(ت688هـ) : ((فجيئ في أوائلها بحرف ينبِّه به المتكلمُ المخاطبَ ، حتى يلتفِتُ إليه وينظرُ إلى أيِّ شئٍ يُشير من الأشياءِ الحاضرة ، فلا جَرَم ، لم يُؤتَ بها إلا في ما يُمكن مشاهدتُه وإبصارُهُ ، من الحاضر، والمتوسط))([5]) ويقولُ أيضاً :((إنَّ وضعَ أسماءِ الإشارة للحضورِ والقرب، على ما قلنا، إنه للمشارِ إليه حسًّا، ولا يُشارُ بالإشارةِ الحسيِّة في الأغلب إلا إلى الحاضرِ الذي يصلحُ لكونهِ مخاطباً)) ([6]).

وملازمةُ اسمِ الإشارةِ للحضورِ يجعلُ المُشارَ إليه معروفًا بصفاتٍ تميِّزُه عن غيره ؛ قال سيبويه :(( وأما الأسماءُ المبهمةُ فنحو هذا وهذه، وهذان وهاتان... وإنما صارت معرفةً لأنها صارتْ أسماءَ إشارة إلى الشيءٍ دون سائر أمّته... وإنما منع هذا أن يكون صفةً للطويل والرجل أن المخبِر أراد أن يقرّب به شيئاً ويشير إليه لتعرفه بقلبك وبعينك، دون سائر الأشياء. وإذا قال الطويل فإنما يريد أن يعرّفك شيئاً بقلبك ولا يريد أن يعرّفكه بعينك، فلذلك صار هذا يُنعت بالطويل ولا يُنعت الطويل بهذا )) ([7]) وهي بذلك تفيد التعيين الذي هو سبيل التعريف .

    (في ربهم) :

و يُلحظُ في الآيةِ أنَّ جملةَ {هذان خصمان} لا يكتملُ بها المعنى ؛ إذ لايحسُن الوقوف عليها، ولذلك فمن المحتمل أن يكونَ هناك وجهًا إعرابيًا آخر ؛ وهو أن يكون (هذان) مبتدأ و{خصمان} بدلٌ منه ، وجملةُ {في ربِّهم}  في محلِّ رفعِ خبر ؛ باعتبارِ أنَّ هذا الإعراب يُبيِّن سببَ الخصومةِ ومنشأهَا ؛ إذ الفائدةُ تتمُ بالخبر.

ويؤيدُه أنّ اسمَ الإشارةِ -كما يرى سيبويه -إذا ما أُريدَ تفسيرُه لا يُوصف إلا بالمُعرَّف بالألف واللام ، يقول : ((فالأسماءُ المبهمةُ تُوصَفُ بالألفِ واللام ليس إلا، ويُفسَّر بها، ولا تُوصَف بما يُوصف به غيرُ المبهمة ، ولا تٌفسَّر بما يُفسَّر به غيرُها إلا عطفاً)) ([8]) فـ( خصمان ) ليست نعتًا لـ(هذان ) و(( إنَّ اسمَ الإشارة وإنْ عيّنَ المُشارَ إليه ، حقيقتُه لا تُستحضر به على إلتزام ، ولذلك لايُستغنى غالبًا عن صفةٍ تُكمل دلالتَه))([9]) ، وعلى هذا تكون جملةُ (في ربِّهم) صفةً للبدل {خصمان} المُفسِّرِ لاسمِ الإشارة {هذان} ليكتمل به معنى الحضورِ والتّمييز  .
وتعلُّقِ الجارِ والمجرور {في ربِّهم} بالفعل {اختَصموا } يلمحُ إلى أنَّ منشأ الخصامِ بينَ الفريقينِ في الربوبيَّة، و أنَّ الخصومةَ لاتكونُ إلا فيما يُنكِر المطلوب و لا تكون إلا في حقٍّ ، يتَّضح منه أنّ الخصم الأول هو المعنيُّ بقوله:{الذين كفروا} والآخر{الذين آمنوا وعملوا الصالحات} في الآيات التي بعدها) ([10]) . 

الهوامش:
([1]) ينظر : فقه اللغة وسر العربية : 376 .
([2])التبيان في إعراب القرآن : 2/220
([3])ينظر معاني القرآن : للفراء : 2/128، و معاني القرآن وإعرابه: 3/419، و الكشاف : 3 /146  .
([4])الكتاب : 2 /79-80 ، وينظر :  اللمع في العربية : 78
([5])شرح الرضي على الكافية: 2/477  .
([6])المصدر السابق  : الصحيفة نفسها .
([7])الكتاب: 2/ 7 .
([8])الكتاب: 2 /190  .
([9])تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد :  1/131.
([10]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام)/ دراسة في ضوء المعنى النحوي الدلالي، تأليف: رضي فاهم عيدان، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 135-139.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1057 Seconds