بقلم: د. جليل منصور العريَّض
الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.
أما بعد:
يكاد الوعظ والإرشاد والحض على التمسك بالأخلاق الحميدة ينتشر في جل ما أثر عن علي عليه السلام من خطب، إلا أن هناك جانبا هاما من خطبه خصه علي عليه السلام بالوعظ كموضوع مستقل فرضته طبيعة الحياة الاجتماعية جراء أخذ كثير من أبناء مجتمعه ما يرونه من الدين ملائما ومصالحهم الدنيوية الذاتية، وهو ما عبر عنه بقوله لعمار بن ياسر حين وجده يناقش الأشعث ابن قيس في بعض شؤونه الخاصة «دعه يا عمار فإنه لم يأخذ من الدين إلا ما قاربه من الدينا»([1])، والأشعث بن قيس هذا يمثل شريحة كبيرة من المجتمع الذي كان علي عليه السلام يحكمه، مما حتم عليه وعظ أولئك وتبصيرهم بالمعاني الحقيقية للدنيا من وجهة نظر الدين، بالإضافة إلى أن كثيرا من المناسبات الدينية، كالأعياد وشهر رمضان والجمع تقتضي الوعظ أيضا، كما أن تصدي علي عليه السلام إلى تفسير بعض آيات القرآن الكريم المتضمنة التحذير من التمادي في اللهو والتكالب على اقتناء الأموال والتمرغ في الملذات الدنيوية، تقتضي بدورها الوعظ، مما أاح لعلي عليه السلام الإكثار من القول في هذا الجانب.
ومن أهم ما تتميز به خطب علي عليه السلام الوعظية، امتزاج العامل الديني بالعامل النفسي، مع تجنب الوعظ المباشر المبني على الأمر والنهي، ومقدرة فائقة على اعداد نفس المستمع وتهيئتها للانجذاب نحو الموضوع الوعظي بكل حواسها، من ذلك قوله في مقدمة خطبة وعظية «فإنه والله الجد لا اللعب، والحق لا الكذب. وما هو إلا الموت أسمع داعية، وأعجل حاديه فلا يغرنك سواد الناس من نفسك، وقد رأيت من كان قبلك ممن جمع المال، وحذر الإقلال»([2])، فمدخل الخطبة، بما تضمنه من توكيد وقسم، يشد الانتباه إلى ما يكتنف معاني الجد التي يرمي إليها أسلوب الوعظ، الذي يجعل المستمع يتتبعه في لهفة وانشداد فتأتي النصائح ضمن الخطبة على شكل دفعات تنساب إلى النفس في تلقائية وعفوية، فتقبلها طواعية، فالزجر عن المعاصي، لا يحمل في طياته معنى الزجر القسري الذي تأباه النفس مكابرة ولكنه يأتي على شكل أساليب تخشع لها وتقع تحت تأثير سلطانها بسبب تجاوب نفس المستمع مع معانيها. ولعلي عليه السلام في هذا المجال مقدرة أسلوبية فائقة في بث خطب الوعظ معاني الترغيب والترهيب دون اللجوء إلى المباشرة والتقريرية.
ففي مجال وعظه الترغيبي تجتذب كلماته مستمعه إلى أفاق رحبة من السعادة في حياة دنيوية نظيفة ناصعة، وخلود أبدي في ظل الأمن والطمأنينة والسرور في حياته الثانية بعد الموت، كما في قوله مصورا حياة المؤمنين الخالدة بعد الحساب «فلو مثلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة، ومجالسهم المشهودة، وقد نشروا دواوين أعمالهم، وفرعوا لمحاسبة أنفسهم عن كل صغيرة وكبيرة امروا بها فقصروا عنها، أو نهوا عنها ففرطوا فيها، وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم، فضعفوا عن الاستقلال بها، فنشجوا نشيجا وتجاوبوا نحيبا، يعجون إلى ربهم من مقام ندم واعتراف، لرأيت أعلام هدى، ومصابيح دجى، قد حفت بهم الملائكة، وتنزلت عليهم السكينة، وفتحت لهم أبواب السماء، واعدت لهم مقاعد الكرامات...»([3])، فالعبارات الوعظية قد تلفعت بنسائم التشويق وتألقف في سبحات روحية يكتنفها الخوف والخشوع.
واذا كان سبيل علي عليه السلام إلى التشويق من خلال الوعظ ـ وان قل ـ قد بلغ غايته في اجتلاب المعاني التي تشمل النفوس، وتتيه الأرواح المؤمنة في نفاحاتها توقا إلى حياة الخلود والنعيم الأبدي، فإن قدرة علي عليه السلام على اجتلاب معاني الترهيب قد بلغت الذروة، فإيمانه العميق وحسه المرهف وعقليته الوقادة، وعلمه التام بدقائق اللغة قد مكنه من شخذ طاقات الكلمة لتستجيب لمعاني الوعظ الترهيبي الذي تقشعر له نفس المستمع ويشتد وجيب قلبه منه هلعا بالإضافة إلى الطاقات التعبيرية التي يبثها في الكلمة في أثناء الأداء ويمكن تمثل ذلك كله من قوله واعظا محذر «أيها اليقن الكبير، الذي لهزه القتير، كيف أنت إذا التحمت اطواق النار بعظام الأعناق، ونشبت الجوامع حتى أكلت لحوم السواعد، فالله الله معشر العباد، وانتم سالمون في الصحة قبل السقم وفي الفسحة قبل الضيق...»([4]) ويبلغ الوعظ الترهيبي اقصى غاياته، حين يتوقف علي عليه السلام عند وصف الموت، حيث تستطيع كلمته أن تدخل الرعب في قلب أي إنسان مهما بلغ من رباطة الجأش وقوة الجنان، ومهما اظهر من تماسك ويكفي أن نقول في هذا المجال ان إحدى خطبه الوعظية التي خصها في وصف المتقين قد تسببت في موت احد أصحابه عند سماعها([5])، كما تحدثنا مصادرها.(([6]).
الهوامش:
([1])حكم ـ 413.
([2]) خطب ـ132ـ فقرة 2.
([3]) خطب ـ 219ـ فقرة 2.
([4]) خطب ـ 185 ـ فقرة 5. واليقن: بفتح الياء والقاف ـ الشيخ الكبير السن. ولهزه: خالطه. والقتير: الشيب. والجوامع: ـ جمع جامعة ـ الأغلال لأنها تجمع الأيدي إلى الاعناق.
([5]) راجع الخطبة 183 ومناسبتها وما الت إليه نهايتها كما ذكرها الرضي.
([6]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور جليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 625-628.