مِنَ الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) الحلقة (20): الدلالة القرآنية للفظة (النَّاس) ومصاحباتها:

مقالات وبحوث

مِنَ الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) الحلقة (20): الدلالة القرآنية للفظة (النَّاس) ومصاحباتها:

49 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 29-03-2026

بقلم: رضي فاهم عيدان

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله وكما يستحقه حمدًا كثيرًا وأعوذ به من شر نفسي إنّ النفس لأمارةٌ بالسوء إلاّ ما رحم ربي، والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمّدٍ الأمين وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

إما بعد:
هذه اللفظةُ من الألفاظِ المحايدة ؛ بمعنى أنها استُعملت في القرآنِ الكريم بحق المؤمنين وغيرهم ؛ قال تعالى:{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}[البقرة : 207] ([1]) قال تعالى:{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}[البقرة :204] ، والغالب في هذه الاستعمالات إشارتها إلى جماعة من الأفراد من دون تشخيصهم فتكون بمعنى إرادة الجنس فيهم أي تدلُّ على الجماعة ، وعلى الرغم من ذلك فقد استعملها القرآن الكريم في موردٍ استُعملتْ فيه للإشارة إلى فئةٍ محددة ، قال تعالى :{ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}[آل عمران :173]  فـ( الناس ) الثانية بحسب سياق الآية فيها إشارة إلى معهود معروف بأوصافه لدى المخاطب ، وهو ما يكشف عن استعداد هذه اللفظة قرآنيًا أن تخرج من معنى الجنس إلى الدلالة على جماعةٍ مخصوصة بحسب السياق الذي ترد فيه .      

 إلا أنَّ إيرادها في هذه الآية وبحُكمِ موقعِها الإعرابي وتفاعلها الدلالي مع بقيةِ الألفاظ منَحها خصوصيةً انمازت بها عن نظائرهِا في القرآن الكريم ؛ من حيث دلالتها على جماعةٍ حُسِدت للفضل الذي خصَّها الله سبحانه به ، ولم يُحدِّثَنا القرآنُ عن استعمالٍ مناظرٍ لهذه اللفظة .           

واستُعمِل( الحَسَدُ ) والنَّظرُ إليه كـ(أمنِيَةٍ) غيرِ مشروعة باعتبار عدم مشروعيّة هذا التمنيّ ، حيث وردَ النَّهيُ عنه ، قال تعالى:{وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}[النساء: 32] .

أشار التعبير القرآني إلى هوية هؤلاء الحساد ؛ قال تعالى:{ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ }[البقرة : 109] .

ويبدو أنَّ (النَّاس) تشيرُ إلى طائفةٍ مخصُوصَةٍ من الذين آمنوا ، وليس فيها معنى العموم ؛ ويؤيدهُ أنَّ الجملةَ التَّعليلية بعد فاء التعليل في مقامِ بيانِ مصاديق ما فَضَّلَ  اللهُ به هؤلاء (الناس) ، وهي قوله تعالى:{ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًام} من الآية مورد البحث  فهي (( تعليلٌ للإنكار والاستقباحِ وإلزامٌ لهم بما هو مُسلَّمٌ عندهم ، وحسمٌ لمادةِ حسَدِهم واستبعادِهم المبنيَّيْن على توهّمِ عدمِ استحقاقِ المحسودِ لِما أُوتيَ من الفضلِ ، ببيانِ استحقاقِه لهُ بطريقِ الوِراثةِ كابراً عن كابر )) ([2]) فـ(الكتاب) و(الحكمة) و(الملك العظيم) هي ما فضَّل الله به آلَ إبراهيم ، وقد منحها سبحانه للـ(الناس) في الآية الكريمة ، وكانت سببًا لإيجاد الحسد من الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب)([3]). 

الهوامش:
([1]): هذه الآية من الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام) وسيأتي بحثها في مبحث جملة الصلة  ، ينظر : الكشف والبيان: 2/125-126.
([2]) إرشادالعقل السليم : 2/ 190  ، وينظر : روح المعاني : 4/85 .
([3]) لمزيد من الاطلاع ينظر: الآيات المتعلقة بالإمام علي (عليه السلام)/ دراسة في ضوء المعنى النحوي الدلالي، تأليف: رضي فاهم عيدان، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 148-150.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1314 Seconds