من كلام الإمام علي (عليه السلام) في كتب غريب الحديث الحقول الدالّة على الحيوان ومتعلقاته: 4 – الشرع

مقالات وبحوث

من كلام الإمام علي (عليه السلام) في كتب غريب الحديث الحقول الدالّة على الحيوان ومتعلقاته: 4 – الشرع

7 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 23-06-2026

بقلم: د. زهراء حسين جعفر

الحمدُ لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، وسببا للمزيد من فضله، ودليلا على آلائه وعظمته، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالضياء، وقدمه في الاصطفاء، وجعله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.

أما بعد:
قَالَ الإمام عليّ(عَلَيْهِ السَّلَام): ((شَرْعُكَ مَا بلغك المحلا)) ([1]). ثم قال: (( إِن أَهْون السَّقْي التشريع))([2]). المفردة الغريبة التي وردت في قوله(عليه السلام) (شَرْعُكَ)، ويقال: ((شَرْعُكَ هذا، أيْ: حَسْبُكَ))([3])، وقوله (عليه السلام) (شَرْعُكَ مَا بلغك المحلا)، أي: حسبك وكافيك من الزاد ما بلَّغَكَ مَقْصدك ([4]).ويتضح من قول الزمخشري كَأن مَعْناهُ الْكِفَايَة الظَّاهِرَة المكشوفة([5]). ومن المجاز قوله (عليه السلام) (شَرْعُكَ مَا بلغك المحلا)، أي حسبك ويقال: أشرعني كَذَا أَي أحسبني ويرى اصحاب غريب الحديث: مَعْنَاهُ الإظهار والبينة، وَهُوَ مَثَل يُضْرَب فِي التَّبليغ باليَسير. 

وكذلك وردت مفردة (التشريع)، والتشريع كما ورد في اللغة: شَرَعَتِ الإبلُ تَشْرَعُ شروعا أي: مَدَّت رُؤُوسَهَا إِلَى المَاء، وإبلٌ شُرَّع وشُرُوع، والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عِداًّ لا انقطاع له ويكون ظاهرا معينا لا يستقى منه بالرشاء. وإذا كان من ماء السماء والأمطار فهو عند اهل اللغة الكرع، وقد أكرعوه إبلهم فكرعت فيه ([6]). والتَّشْريع: إيرادُ الإِبِلِ شَريعَةً لا يُحْتاجُ مَعَها إلى نَزْعٍ بالعَلَقِ، ولا سَقْيٍ في الحَوْض([7]).

وذكر اصحاب غريب الحديث حَدِيثاً للإمام (عَلَيْهِ السَّلَام) فِي الرجل الَّذِي سَافر مَعَ أَصْحَاب لَهُ فَلم يرجع حِين رجعُوا فاتّهم أَهلُه أَصْحَابَه فرفعوهم إِلَى شُرَيْح فَسَأَلَهُمْ الْبَيِّنَة على قَتله فَارْتَفعُوا إِلَى الإمام عليّ فأخبروه بقول شُرَيْح فقال (عليه السلام):

أوردَها سعدٌ وسعدٌ مشتمِل         يَا سعدُ لَا تُروى بهذاك الإبِل([8])

وهذه الحادثة معروفة لا خلاف فيها عند أصحاب المعجمات وغريب الحديث([9])

والمراد من قول الإمام (عليه السلام): (أوردهَا سعد وَسعد مُشتَمِل) هَذَا مَثَل يُقَال ما يسمى عند أهل البلاغة بالتلميح. وإِن أَصل البيت يقال إن رجلا أورد إبِله مَاءً لَا تصل إِلَى شربه إِلَّا بالاستقاء ثمَّ اشْتَمَل ونام وَتركهَا لم يستقِ لَهَا، وقال إنَّ هَذَا الْفِعْل لَا تُروَى بِهِ الْإِبِل حَتَّى يستقي لَهَا ([10])،وقوله: (إِن أهونَ الّسَّقي التشريعُ) وَهُوَ مَثَلٌ أَيْضا قال: إِن أيسر مَا يَنْبَغِي أَن يفعل بهَا أَن يُمكنهَا من الشَّرِيعَة أَو الْحَوْض ويعرض عَلَيْهَا المَاء دون أَن يستقي لَهَا لتشرب([11])،كما يقال: (َأَشْرَعَ ناقَته): أَيْ أدخَلها فِي شَرِيعة الْمَاءِ، ويُقَالُ: شَرَعَتِ الدوابُ فِي الْمَاءِ تَشْرَعُ شَرْعاً وشُرُوعاً إِذَا دَخَلَتْ فِيهِ([12]).وأورد ابن سلام تفسيراً آخر عن الْأَصْمَعِي: يُقَال: إِن قَوْله (أوردَها سعدٌ وسعدٌ مُشتَمِل) يَقُول: إِنَّه جَاءَ بإبله إِلَى شَرِيعَة لَا يحْتَاج فِيهَا إِلَى استقاء المَاء فَجعلت تشرب وَهُوَ مُشْتَمل بكسائه وَكَذَلِكَ قَوْله: إِن أَهْون السَّقْي التشريعُ يَعْنِي أَن يُوردَها شَرِيعةَ المَاء وَلَا يُحتاج إِلَى الاستقاء لَهَا.([13])، يبدو أنَّهم فسروا المثلين ولكن بتعبير آخر بقولهم: وإنّ الَّذِي فعله شُريح من طلب البيّنة كَانَ هيّناً، فَأتى الأهوَنَ وتركَ الأحوط، كَمَا أَن أَهْون السَّقي التشريع.

فأراد الإمام (عليه السلام) من هذا البيت الشعري، والمثل التلميح وهو أن يشار في فحوى كلامه الى مثل سائر أو شعر نادر، ان أَهْون مَا كَانَ يَنْبَغِي لشريح أَن يفعل هو أن يستقصي فِي الْمَسْأَلَة وَالنَّظَر، والكشف عَن خبر الرجل حَتَّى يعْذر فِي طلبه وَلَا يقْتَصر على طلب الْبَيِّنَة فَقَط كَمَا اقْتصر الَّذِي أورد إبلَه ثمَّ نَام([14])  فالإمام(عليه السلام) فاق((الشَّجَاعَة العَرَبِية يُصِيبُ هَدَفَهُ، وَيُصَوِّبُ كَلامَهُ نَحْوَ فِكْرَتَهُ))([15]). وَفِي هَذَا الحَدِيث من الحكم يتضح من قول ابن قتيبة إن عليّا امتحن فِي حد وَلَا يُمتَحن فِي الْحُدُود وَإِنَّمَا ذَلِك؛ لِأَن هَذَا من حُقُوق النَّاس وكلّ حقّ من حُقُوقهم فَإِنَّهُ يُمتَحن فِيهِ كَمَا يُمتحن فِي جَمِيع الدعاوى. وأمّا الْحُدُود الَّتِي لَا امتحان فِيهَا فحدود النَّاس فيمَا بَينهم وَبَين الله- تَعَالَى- مثل الزِّنَا وَشرب الْخمر. وأمّا الْقَتْل وكلّ مَا كَانَ من حُقُوق النَّاس فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ حدّا يسْأَل عَنهُ الإِمَام ويستقصي لِأَنَّهُ من مظالم النَّاس وحقوقهم الَّتِي يدّعيها بَعضهم على بعض، وقد فرَّق (عليه السلام) بَيْنَهُم وسأَلهم فَاخْتلَفوا فأقرّوا بقتْله فَقَتلهُمْ به([16]).لذلك كان على شريح أن يحتاط ويستبرئ الحال بأيسر ما يحتاط بمثله في الدماء([17]))([18]).

الهوامش:
([1]) غريب الحديث: الخطابي: 2/501، الغريبين في القرآن والحديث: 3/988، الفائق في غريب الحديث: 2/237، النهاية في غريب الحديث والأثر: 2/461، وينظر: غريب الحديث: ابن الجوزي: 1/529.
([2]) غريب الحديث: ابن سلام: 3/478، تهذيب اللغة: 1/271، غريب الحديث: الخطابي: 1/165، الفائق في غريب الحديث: 4/54، غريب الحديث: ابن الجوزي: 1/529. النهاية: 2/460، لسان العرب: 8/175، القاموس المحيط: 1/733، غريب الحديث في بحار الأنوار: 2/292.
([3]) العين: (شرع)1/254، وينظر: تهذيب اللغة(شرع)1/272، ولسان العرب: (شرع)8/179، القاموس المحيط: (فصل الشين)1/732.
([4]) ينظر: الدلائل في غريب الحديث: 2/459، والصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: (شرع) 3/1236، والغريبين في القرآن والحديث: 3/988، والنهاية في غريب الحديث
والأثر: 2/461، وتاج العروس: (شرع) 21/265.
([5]) ينظر: الفائق في غريب الحديث: 2/237.
([6]) ينظر: تهذيب اللغة: (شرع)1/171، والمخصص: 2/181.
([7]) ينظر: القاموس المحيط: (ش ر ع)1/733.
([8]) يقال: خرج سعد فِي الْإِبِل فعزب فِيهَا ثمَّ أوردهَا لظمئها وَمَالك فِي صفرَة وَكَانَ عروسا فَجعل سعد وَهُوَ مُشْتَمل يزاول سقيها وَلَا يرفق فَقَالَ: (يظل يَوْم وردهَا مزعفرا...وهي خناطيل تجوس الخضرا) وقال مالك: (أوردهَا سعد وَسعد مُشْتَمل... مَا هَكَذَا تورد يَا سعد الْإِبِل).طبقات فحول الشعراء: 1/30.نجد الشطر الثاني في قول مالك يختلف عما ذكره علماء اللغة وغريب الحديث.
([9]) ينظر: غريب الحديث: ابن سلام: 3/478، والفائق في غريب الحديث: 4/54، وغريب الحديث: ابن الجوزي: 1/529. والنهاية في غريب الحديث والأثر: 2/460، وغريب الحديث في بحار الأنوار: 2/292، ولسان العرب: 8/175.
([10]) ينظر: غريب الحديث: ابن سلام: 3/477، والغريبين في القرآن والحديث: 1/506.
([11]) ينظر: غريب الحديث: ابن سلام: 3/478، والنهاية في غريب الحديث والأثر: 2/460.
([12]) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: 2/460.
([13]) ينظر: غريب الحديث: 3/479.
([14]) ينظر: غريب الحديث: ابن سلام: 3/478، والفائق غريب الحديث: 4/54، وغريب الحديث: ابن الجوزي: 1/529. والنهاية في غريب الحديث والأثر: 2/460.
([15]) الخصائص: 2/11.
([16]) ينظر: غريب الحديث: ابن سلام: 3/477-478، والفائق في غريب الحديث: 4/54.
([17]) ينظر: الغريبين في القرآن والحديث: 3/989.
 ([18])  لمزيد من الاطلاع ينظر: كلام الإمام علي عليه السلام في كتب غريب الحديث/دراسة في ضوء نظرية الحقول الدلالية، تأليف زهراء حسين جعفر، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص245-246.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1195 Seconds