فكر الإمام علي (عليه السلام) كما يبدو في نهج البلاغة أبرز الخصائص الفنية في نهج البلاغة 3- عناصر مكونات الصورة في نهج البلاغة

مقالات وبحوث

فكر الإمام علي (عليه السلام) كما يبدو في نهج البلاغة أبرز الخصائص الفنية في نهج البلاغة 3- عناصر مكونات الصورة في نهج البلاغة

49 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 29-07-2026

بقلم: د. جليل منصور العريَّض

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين.

أما بعد:
لكل أديب أو فنان عناصره الخاصة المميزة لإبراز تفرده في مجال فنه، إذ بإمكان المتأمل في لوحة أصلية أن ينسباها إلى المدرسة التي تنتمي إليها، ومن ثم إلى الفنان الذي رسمها، وذلك من خلال معايشته لوحاته والتأمل في طريقة مزج ألوانه، وضربات ريشته. وهكذا الموسيقي الفذ، يمكن للأذن الموسيقية بحسها الفني أن تميز جمله ومقاطعه وتردها إلى شخصه من بين معزوفات غيره. وللأديب الفذ أيضاً قاموسه الفني الذي يمتح منه لتدبيج لوحاته وحياكة صوره وتأملاته. وفي كل الأحوال بالنسبة للرسام أو الموسيقي أو الأديب، أو المفكر، فإنه لا يستطيع أن ينفلت من بيئته أو ينسلخ من جلده في أثناء العملية الإبداعية التي تمتلك عليه لبه وتنقله بكل احساساته إلى عالم تصطرع فيه الأفكار ضمن البوتقة التي يعيش فيها. وإذا ما حاولنا تطبيق مقولتنا هذه على ما ورد في نهج البلاغة من صور بلاغية، مهما اختلفت في تركيبها ومزج ألوانها، فإن عناصرها الأساسية لا تكاد تخرج عن البيئة العربية التي عاش فيها عليg. فمهما تناهت الصورة في تجسيدها لأفكار علي عليه السلام، فإن البيئة العربية هي الام التي تحتضنها، لأن المفردة اللغوية التي استخدمت في ابرزها هي في الغالب مأخوذة من تلك البيئة، سواء أكانت تعبر عن الطبيعة من حيوان، كالإبل والذئاب والضباع وغيرها من طيور وأفاع، أم طبيعة صامتة كالجبال، والصخور، والرمال، والسيول، والشجر والمراعي والدمن، أم أدوات، كالرحى، والاداوة والحبال والركي، أم عتاد، كالسيوف والسهام، أم عادات، كالرهان والسباق وما ينتج عنهما من فوز أم خسارة، أم ظواهر طبيعية، كالرعد والبرق، والعواصف والأمواج، أم أوبئة وأمراض، كالجرب، والجذام والسريرة، وغيرها. إلا أن توظيف تلك العناصر في تكوين الصور بفكر صافٍ بعيد عن جفاوة البداوة، وبما ادخلته أساليب القرآن الكريم من أثر فيها، وما أضفى عليها الإيمان القوي الملتزم من حيوية نأى بها عن الصعوبة والصلافة والحوشية، كما أن تكرار تلك العناصر ببنائها الفني في نصوص متعددة لم ينل من قيمتها البلاغية ولم يحد من تأثيرها أو يطفئ جذوتها.

فصورة الرحى وقطبها في قوله «وهو يعلم محلي منها محل القطب من الرحى»([1]) هي تعبير عن الأهمية العظمى في سياق الفخر، أما صورة الرحى في قوله «إنما قطب الرحى، تدور علي وأنا بمكاني، فإن فارقته استحار مدارها»([2]) فإنما يعني هنا بالرحى الدولة، ومكانته فيها باعتباره القطب الذي ترتكز عليه في دورانها كقائم بشؤون الدولة الأساسية الهامة التي تتطلب منه التواجد في العاصمة لمراقبة كل صغيرة وكبيرة والمباشرة في إنجاز كل ما تحتاجه الدولة من مهام سياسية واقتصادية واجتماعية وقضائية وعسكرية، وليس من مهامه الخروج في كتائب صغيرة لرد الغارات الخاطفة التي يشنها معاوية على اطراف بلاده، وإنما ذلك من مهمات من يوكل إليهم من قادته الذين يعتمد عليهم.

أما قطب الرحى في قوله لعمر بن الخطاب «كن قطبا واستدر الرحى بالعرب»([3]) فإنما يعني بالرحى، كما يبدو في السياق الخطابي الذي وردت فيه، هي الحرب واشتداد لظاها والصورة قد وردت ضمن رد علي عليه السلام على استشارة من عمر بشأن ازماعه على مواجهة الفرس بنفسه، فإضافة القطب إلى الرحى يعني في مضمونه بقاء القائد أو الخلفية في مركزه الذي يحفظه كرمز للدولة، لأنه إذا ما قتل فإن ذلك سينعكس على معنويات جنوده ويقوي من عزيمة الأعداء في الاستبسال للوصول إليه وقتله لا لشخصه، بل لمكانته وأهميته كخليفة.
كما قد يريد من القطب في السياق من دون إضافته إلى الرحى، التعبير بدقة عما يجول بنفسه إزاء الموقف الذي هو بصدد الكلام فيه بقصد شرح أبعاده وتبيان خطورته كما في وصفه الفتنة التي سيحدثها الأمويون والتي يقول ضمنها «راية ضلال قد قامت على قطبها»([4])، أي انبثقت من مركزها الثابت لتعم كل نواحي البلاد بالدمار والظلم.

فتكرر الصورة أو بعض عناصرها للتعبير عن فكرة ما أو ما يجري مجراها في نصوص متعددة، ترمي إلى إبراز عناصر فكرية متوحدة، يعني في حد ذاته، سير تلك النصوص في بنائها الفني على نسق خاص، نابع من مصدر واحد مثلها في ذلك مثل السمات الدقيقة المميزة لشخص من دون آخر في تعامله مع الآخرين من حيث الأسلوب والطريقة في الكلام والعمل والتصرف، ولا يمكن إدراكها وملاحظتها الا بالمران جراء كثرة الاحتكاك والتعامل مع الأساليب المختلفة.
والتكرار في صور النهج لا يقتصر على الرحى، وعناصرها، إذ يمكن ملاحظة التكرار في صورة الابل وتزاحمها على المياه في أثناء عطشها في التعبير عن مواقف مختلفة، وصورة الماء ومتعلقاته وأهميته في البيئة الصحراوية([5])، وصورة الحياة الدنيوية على أنها رحلة انتقال وظل زائل وآفل([6])، وتكاد جل صور النهج أن تجد لها مثيلاتها أما من حيث التركيب، وأما من حيث اشتراكها في بعض العناصر في عدة نصوص، إضافة إلى استخدام المفعول المطلق تعبيرا عن المماثلة في الكثير من صور النهج، كما ورد في تصوير حال الناس زمن الفتن والتكالب على المقتنيات الدنيوية «يتكادمون فيها تكادم الحمر في العانة»([7])، وفي تصوير حياة الإنسان الانتقالية وسرعتها «كأنكم بالساعة تحدوكم حدو الزواجر بشوله»([8]).
وتكرار مثل تلك الصور أو بعضها من عناصرها في نصوص النهج المختلفة لم يفقدها تألقها، ولم يحد من وظائفها في ابراز المعاني وتجسيدها ضمن تلك النصوص، لكون حيويتها لا تكمن في عناصرها الظاهرة، بل امتزاجها بروح علي عليه السلام وفكره، وتبوء مكانتها ضمن نصوصها في سلاسة وانسجام من ناحيتي البنية والإيحاء، مما يجعل وقعها في النفوس عميقا ومؤثرا لكونها تعمد إلى إجلاء الفكر بإحالته إلى «لوحات فنية لها خطوطها وأشكالها وألوانها، فإذا بك في عالم زاخر من روائع الفن تتماوج به صور وموسيقى وانغام والوان»([9]))([10]).

الهوامش:
([1]) خطب ـ3ـ فقرة 1.
([2]) خطب - 118.
([3]) خطب: 146.
([4]) خطب 107، فقرة 4. وراجع أيضاً بشأن صورة الرحى وقطبها خطب 151، فقرة 2، وخطب 165.
([5]) راجع خطب 3ـ فقرة 2، وخطب 16فقرة 1، وخطب 28، وخطب 34، وخطب 39، وخطب 53، وخطب 86، فقرة 4، وخطب 96فقرة 3. وبالنسبة لأهمية الماء وحده كصورة. راجع خطب 4، وخطب 5 فقرة 1، وخطب 17 فقرة 2، وخطب 23 فقرة1، خطب 25 فقرة 2.
([6]) راجع خطب 45، 52، 62، 63.
([7]) خطب ـ151ـ فقرة 2. ويتكادمون: يعض بعضهم بعضا. والعانة: القطيع من حمر الوحش.
([8]) خطب ـ 158ـ فقرة 2. والزواجر: الذين يزجرون الابل لسوقها ومفرده زاجر. والشول: النوق التي جف لبنها ومفرده شائلة على غير قياس. والحدو: سوقها والغناء لها. ويمكن ملاحظة مثل ذلك التعبير أيضاً في خطب 39، وخطب 42، وخطب 47، وخطب 52، وخطب 53، وخطب 107 فقرة 4، 5.
([9]) جرداق ـ علي عليه السلام صوت العدالة 1/46.
([10]) لمزيد من الاطلاع ينظر: فكر الإمام علي عليه السلام كما يبدو في نهج البلاغة: للدكتور جليل منصور العريّض، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 718-722.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1918 Seconds