بقلم: نبيلِ الحسنيِّ الكربلائيِّ
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ.
إنَّ منْ بينِ أهمِّ الأمورِ التي سارعَ إليها أميرُ المؤمنينَ (عليهِ السلامُ) حينَ تولَّى زمامَ الحكمِ هوَ استردادُ أصولِ الدولةِ وتطهيرُ المالِ العامِّ بأثرٍ رجعيٍّ وصرفُهُ في مواردِهِ الشرعيةِ.
فمنْ خطبةٍ لمولانَا أميرِ المؤمنينَ (عليهِ السلامُ) رواهَا القاضي المغربيُّ[1]، والشريفُ الرضيُّ[2]، وابنُ أبي الحديدِ المعتزليُّ، عنِ الكلبيِّ، مرفوعةً إلى ابنِ عباسٍ، قالَ: «إنَّ علياً (عليهِ السلامُ) خطبَ في اليومِ الثاني منْ بيعتِهِ بالمدينةِ، فقالَ: (أَلَا إنَّ كُلَّ قَطِيعَةٍ أَقْطَعَهَا عُثْمَانُ، وَكُلَّ مَالٍ أَعْطَاهُ مِنْ مَالِ اللهِ، فَهُوَ مَرْدُودٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّ الْحَقَّ الْقَدِيمَ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، وَلَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَفُرِّقَ فِي الْبُلْدَانِ، لَرَدَدْتُهُ إِلَىٰ حَالِهِ؛ فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَنْهُ الْحَقُّ فَالْجَوْرُ عَنْهُ أَضْيَقُ)»[3].
وفي لفظِ الشريفِ الرضيِّ: «(وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ وَمُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ لَرَدَدْتُهُ؛ فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ)»[4].
قالَ الكلبيُّ: ثمَّ أمرَ (عليهِ السلامُ) بكلِّ سلاحٍ وُجِدَ لعثمانَ في دارِهِ مما تَقَوَّى بهِ على المسلمينَ فَقُبِضَ، وأمرَ بقبضِ نجائبَ كانتْ في دارِهِ منْ إبلِ الصدقةِ فَقُبِضَتْ، وأمرَ بقبضِ سيفِهِ ودرعِهِ، وأمرَ أنْ لا يُعْرَضَ لسلاحٍ وُجِدَ لهُ لمْ يُقَاتِلْ بهِ المسلمينَ، وبالكفِّ عنْ جميعِ أموالِهِ التي وُجِدَتْ في دارِهِ وغيرِ دارِهِ.
وأمرَ أنْ تُرْجَعَ الأموالُ التي أجازَ بها عثمانُ حيثُ أُصِيبَتْ أوْ أُصِيبَ أصحابُهَا، فبلغَ ذلكَ عمرو بن العاصِ وكانَ بـ (أَيْلَةَ) منْ أرضِ الشامِ، أتاهَا حيثُ وثبَ الناسُ على عثمانَ فنزلَهَا، فكتبَ إلى معاويةَ: ما كنتَ صانعاً فاصنَعْ؛ إذْ قَشَرَكَ ابنُ أبي طالبٍ منْ كلِّ مالٍ تملِكُهُ كمَا تُقْشَرُ عنِ العصَا لحَاهَا[5]».
وأخرجَ ابنُ عبدِ البرِّ أبياتاً للوليدِ بنِ عقبةَ، يذكرُ قبضَ عليٍّ (عليهِ السلامُ) نجائبَ عثمانَ وسيفَهُ وسلاحَهُ، فيقولُ:
بَنِي هَاشِمٍ! رُدُّوا سِلَاحَ ابْنِ أُخْتِكُمْ * وَلَا تَنْهَبُوهُ لَا تَحِلُّ مَنَاهِبُهُ.
بَنِي هَاشِمٍ! كَيْفَ الْهَوَادَةُ بَيْنَنَا؟ * وَعِنْدَ عَلِيٍّ دِرْعُهُ وَنَجَائِبُهُ.
فأجابَهُ عبدُ اللهِ بنُ أبي سفيانَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ بأبياتٍ طويلةٍ، منْ جملتِهَا:
فَلَا تَسْأَلُونَا سَيْفَكُمْ إنَّ سَيْفَكُمْ * أُضِيعَ وَأَلْقَاهُ لَدَى الرَّوْعِ صَاحِبُهُ[6].
وهذهِ الأبياتُ المعزوةُ إلى عبدِ اللهِ، نسبَهَا المسعوديُّ إلى الفضلِ بنِ العباسِ بنِ عتبةَ بنِ أبي لهبٍ، وذكرَ منهَا:
سَلُوا أَهْلَ مِصْرٍ عَنْ سِلَاحِ ابْنِ أُخْتِنَا * فَهُمْ سَلَبُوهُ سَيْفَهُ وَحَرَائِبَهُ.
وَكَانَ وَلِيَّ الْعَهْدِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ * عَلِيٌّ وَفِي كُلِّ الْمَوَاطِنِ صَاحِبُهُ[7].
ويرشدُ النصُّ الشريفُ الواردُ عنْ أميرِ المؤمنينَ (عليهِ السلامُ) إلى أمورٍ عدّةٍ شَكَّلَتِ اللبناتِ الأساسَ في عمليةِ بناءِ الدولةِ، وحدَّدَتْ إجراءاتِهِ التشريعيةِ والإداريةِ في الرقابةِ الماليةِ عبرَ استردادِ الأصولِ وتطهيرِ المالِ العامِّ بأثرٍ رجعيٍّ، سنُورِدُهَا تِباعاً، وهيَ:
أولاً ـ رفضُ الحصانةِ القانونيةِ للفاسدينَ.
ألغَى الإمامُ أميرُ المؤمنينَ (عليهِ السلامُ) أيَّ حصانةٍ ترتَّبَتْ لرجالِ الدولةِ في عهدِ عثمانَ، سواءً كانوا منْ خواصِّهِ أوْ منَ العامةِ الذينَ تسنَّمُوا مهامَّ إداريةً أوْ ماليةً أوْ عسكريةً في الحكومةِ، مبيِّناً (عليهِ السلامُ) أنَّ الحفاظَ على النظامِ الماليِّ العامِّ يتقدَّمُ على استقرارِ المراكزِ القانونيةِ، وأنَّ شخصَنَةَ المالِ العامِّ الناتجةَ عنِ المحسوبيةِ تُعَدُّ وبالاً على الفردِ والدولةِ.
ومنْ ثمَّ واجهَ (عليهِ السلامُ) تحصُّنَ الفاسدينَ بالدولةِ بكلِّ حزمٍ، عبرَ إجرائِهِ السريعِ بعدَ تولِّيهِ الحكمَ: «أَلَا إنَّ كُلَّ قَطِيعَةٍ أَقْطَعَهَا عُثْمَانُ، وَكُلَّ مَالٍ أَعْطَاهُ مِنْ مَالِ اللهِ، فَهُوَ مَرْدُودٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ»[8].
يتبعُ إنْ شاءَ اللهُ.
[الهوامش والتوثيق]:
[1] شرح الأخبار: ج١ ص٣٧٣.
[2] نهج البلاغة، الخطبة: «١٥» (وقد جمعها القاضي المغربي في خطبة طويلة).
[3] شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١ ص٢٧١.
[4] نهج البلاغة، الخطبة: ١٥؛ مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب: ج١ ص٣٧٧.
[5] شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: ج١ ص٢٧١.
[6] الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البر: ج٤ ص١٤٤٧.
[7] مروج الذهب: ج٢ ص٣٧٤؛ سمط النجوم العوالي، العاصمي المكي: ج٢ ص٥٣٣ (مع تصحيح النسبة إلى الفضل بن العباس بن عتبة).
[8] يُنظر: الرقابة المالية - الإجراءات والتشريعات الإدارية في حكومة الإمام علي (عليه السلام) في ضوء القرآن والسنة وعصر الخلفاء، دراسة مقارنة، السيد نبيل الحسني، إصدار مؤسسة علوم نهج البلاغة/العتبة الحسينية المقدسة.