أئمةُ البقيع جرحٌ لا يندمل

مقالات وبحوث

أئمةُ البقيع جرحٌ لا يندمل

201 مشاهدة

عمَّار حسن الخزاعي:
الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا كما يستحقُّه وكما هو أهله، والصلاة والسلام على خير خلقه محمَّد وآله الطاهرين...
من الأمور التي يتَّفق فيها النَّاس على اختلاف ثقافاتهم وأفكارهم تعظيم العظماء الذي أثَّروا في جماعاتهم، وكان لهم شأن في الحياة، وهذا التعظيم يشمل ذكر مآثرهم وفضائلهم ومناقبهم، وكلُّ ما يؤثر عنهم من حاجاتٍ خاصَّة أو مقتنياتٍ كانت تلامس حياتهم، أمَّا لو وجِدت قبورهم فإنَّ أقوامهم تسعى إلى تشييد تلك القبور والاحتفاء بها والتفاخر بوجودها، وهكذا أفعال يستسيغها العقل؛ بل يدعو إليها ويحكم بصحَّتها فيما لو كان المحتفى بهم من الصالحين الذين ساهموا في تطور البشرية ورقيها.
هذا على المستوى التفكير العام عند البشر، أمَّا لو التفتنا إلى خصوص ما عليه أمَّة الإسلام فإنَّنا نراها قد عظَّمت ذكرى صُلحائها منذ العصور الأولى التي رافقت بداياتها، وخصوصًا مع أوَّل القرابين الذين قدَّمتهم في سبيل دعوتها، وقد بدأ ذلك مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فكان يزور مقبرة البقيع التي فيها الشهداء ويقول: ((السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ، بِكُمْ لاَحِقُونَ))([1])، وعن عائشة أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ((يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا، مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ، بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللهُمَّ، اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ))([2])، ولم يكن ذلك تصرُّفًا من تلقاء فكر النبي محمَّد (صلى الله عليه وآله)؛ بل هو أمر من الله تعالى فيما نُقل من أنَّ جبريل (عليه السلام) نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: ((إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ))([3])، ولم يقف الأمر عند حدود الزيارة؛ بل يتعدَّى ذلك إلى الصلاة والبكاء عند قبور الصَّالحين، إذ نُقل عن فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلوات الله عليهما وآلهما) أنَّها كانت ((تَزُورُ قَبْرَ عَمِّهَا حَمْزَةَ كُلَّ جُمُعَةٍ فَتُصَلِّي وَتَبْكِي عِنْدَهُ))([4]). أمَّا إصلاح قبور الصالحين وترميمها فهي أيضًا سُنَّة إسلامية كانت تفعلها سيدة نساء العالمين بقبر عمِّها الحمزة (رضوان الله عليه) إذ كانت: ((تَرُمُّهُ وَتُصْلِحُهُ، وَقَدْ تَعَلَّمَتْهُ بِحَجَرٍ))([5])، وكلُّ ذلك إعظامًا لما قدَّمه الأسلاف من خير لهذه الأمَّة، وقد حرص الإسلام على تخليد ذكراهم بتلك الأفعال السابقة.
ثمَّ إنَّنا نجد أنَّ هناك إصرارًا من النبي محمَّد (صلى الله عليه وآله) على زيارة قبره، وحثًا من لدنه للمسلمين على التوافد على قبره ومعاهدته بالزيارة، وقد وردت منه أقوال كثيرة في ذلك منها: ((مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي))([6])، وقوله: ((مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تُعْمِلُهُ حَاجَةٌ إِلَّا زِيَارَتِي، كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ))([7])، وقوله: ((مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي))([8]).
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة في الحثِّ على زيارة قبره والتمسُّك به بعد وفاته (صلَّى الله عليه وآله)، وكلُّ ذلك يصبُّ في تعلِّق المسلمين برسولهم الذي يذكِّرهم بالله تعالى وبدينهم وعبادتهم، وقد سار المسلمون ردحًا من الزمن على هذه السُّنة النبوية في تعظيم قبور الصالحين ومعاهدتها بالزيارة والدعاء والعبادة والصلاة، إلى أن ظهر ابن تيمية (ت: 726 هـ) بأفكاره الضالة وفتاويه المضلة، التي عادى فيها قبور الصالحين، ودعا النَّاس إلى هدمها والبراءة منها، ولكن سرعان ما جوبه فكره من لدن المسلمين في عصره، إلى أن جاء العصر الحديث فأحيا محمَّد بن عبد الوهاب ذلك الفكر الضال بمساعدة ومساندة آل الضلال آل سعود، وبدعم مباشر من الغرب، فسيطروا على شبه الجزيرة العربية فكريًا وعسكريًا، وأدخلوا النَّاس في غياهب أضاليلهم، وكانت من أهمِّ دعواتهم القطيعة بين القبور وبين المسلمين بدعوى الشرك والكفر، وصاروا يهدِّمون قبور الأئمة والصالحين، ويُخفون جميع الآثار التي تذكِّر النَّاس بنبيهم تمهيدًا لعزل النَّاس عن مصدر النور الحق، ثمَّ زجَّهم في أُتون الضلال عن طريق توريد دين جديد بواسطة شيخهم ابن تيمية الحرَّاني.
ومن الأئمة الصالحين الذين اُستهدفت آثارهم وقبورهم أئمة أهل البيت (عليه السلام)، إذ عمد الوهابيون إلى هدم تلك القبور زعمًا منهم أنَّها رموز كفر وشرك، والحقيقة أنَّ ما فعلوه هو الكفر والشرك، ذلك أنَّهم ردُّوا سنَّة النبي (صلى الله عليه وآله) وخالفوا فعله في زيارة مقبرة البقيع والدعاء فيها، وأسَّسوا لفصلٍ جديدٍ من بناء الحواجز بين المسلمين وأئمَّتهم، وكان البداية بهدم القبور ثمَّ المنع من الوصول إليها ثمَّ تحويطها بجدار والنظر إليها من بعيد ليس إلَّا، وأهم القبور المستهدفة هي: قبر الإمام الحسن بن علي، وقبر الإمام زين العابدين علي بن الحسين، وقبر الإمام محمد بن علي الباقر، وقبر الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليهم السَّلام) وهم عترة النبي وأهل بيته، ومع هذا فإنَّ الوهابية لم ترعَ فيهم حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهدَّمت قبورهم متعدِّيةً بذلك كلَّ الحرمات والمبتنيات الإنسانية، وما ذنبهم (عليهم السَّلام) سوى أنَّهم كانوا معارضين لأئمَّة الوهابية من الأمويين والعبَّاسيين الذين سبقوهم بتهديم قبورهم ومنع الزيارة لهم.
وفي الختام نقول لهم: لابدَّ للصبح أن يشرق بنوره الوضَّاء، ولابدَّ لشمس الحقيقة من هزيمة الظلام، وهنالك سيخسر المبطلون وستعلو كلمة الحق حين يمنُّ الله تعالى على المستضعفين في الأرض ويجعلهم أئمة، وحينها حتمًا ستُشيد القبور من جديد وسيردُّ الله تعالى كيد الظالمين إلى نحورهم، وما ذلك على الله ببعيد.
جعلنا الله تعالى وإيَّاكم ممَّن يُساهم في بناء قبور أئمة البقيع ويُضمَّد ذلك الجُرح النازف في قلب الأمَّة الإسلامية إنَّه سميعٌ مجيب.
الهوامش:
([1]) الموطأ: 2/38 ، مسند أحمد بن حنبل: 13/373.
([2]) صحيح مسلم: 2/669.
([3]) صحيح مسلم: 2/669.
([4]) المستدرك على الصحيحين: 1/533 ، السنن الكبرى: 4/131 .
([5]) تاريخ المدينة لابن شبة: 132 .
([6]) سنن الدارقطني: 3/334 ، شعب الإيمان: 6/51.
([7]) المعجم الأوسط: 5/16 .
([8]) أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه: 1/435.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.0881 Seconds