رواية الفضائل في خلافة الإمام علي عليه السلام: الحلقة الثالثة - رواية فضائله في معركة الجمل

فضائل الإمام علي عليه السلام

رواية الفضائل في خلافة الإمام علي عليه السلام: الحلقة الثالثة - رواية فضائله في معركة الجمل

613 مشاهدة

بقلم: أ. د. ختام راهي الحسناوي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام عل خير الخلق أجمعين محد وآله الطيبين الطاهرين.

أما بعد:

لم يجد أصحاب الجمل ما ينزعون به فضل الإمام علي سوى ما ألحقوه به من تهمة قتل عثمان وخذله؛ فقال طلحة بن عبيد الله في أهل البصرة: ((أما بعد فإن عثمان بن عفان كان من أهل السابقة والفضيلة، ومن المهاجرين الأولين الذين رضي عنهم، ورضوا عنه، ونزل القرآن بفضلهم، وأحد أئمة المسلمين... وقد كان أحدث أحداثاً نقمناها عليه، فأتيناه فاستعتبناه، فأعتبنا، فعدا عليه أمرؤ إبتز هذه الأمة أمرها غصباً بغير رضا منها ولا مشورة، فقتله... وقد جئناكم أيها الناس نطلب بدم عثمان...))[1].

ولا يخفى ما في هذا الكلام من تمويه، ومجانبة للصواب، فقد عوّل طلحة على فضل عثمان بوصفه من الصحابة السابقين المهاجرين–الذين عمّهم مدح القرآن–فإذا كان ذلك فعليّ أيضاً من الصحابة الذين تنطبق عليهم هذه الخصال، بل إن فضله يتعدى المقتول، فلم يكن ثمة وسيلة لنزع هذا الفضل عنه سوى اتهامه بالقتل وابتزاز الخلافة[2].

وقد انبرى عدد من أصحاب الإمام علي ينتقدون أصحاب الجمل، ويذكّرونهم بما سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله في فضله ومناقبه؛ فقال خزيمة بن ثابت الانصاري[3] مستغرباً من رمي عائشة للإمام علي بقتل عثمان[4]:

((أعايشُ خلّي عن عليّ وعيبهِ        بما ليس فيه إنما أنت والدُه

وصيُّ رسولِ اللهِ من دونِ أهلهِ        وأنتِ على ما كان من ذاكَ شاهدُه

وحسبُكِ منه بعضَ ما تعلمينهُ          ويكفيكِ لو لم تعلمي غير واحدُه

إذا قيلَ ماذا عِبتِ منهُ رميتهِ           بخذلِ ابن عفانَ وما تلكَ آيدُه))

3- برز في هذه المرحلة من يُفضل عثمان بن عفان على الإمام علي من أتباع أصحاب الجمل، فقد كانت المطالبة بالثأر تستدعي رفع شأنه، والتقليل من منزلة الإمام علي، والمقارنة بينهما في الفضل، ونسبة التفوق إلى عثمان، يتضح ذلك من الأراجيز التي قيلت في معركة الجمل، قال بعضهم[5]:

نحن بنو ضبّة أصحابُ الجمل       ننازل الموتَ إذا الموتُ نزل

ننعى ابن عفان بأطرافِ الأسل      ردّوا علينا شيخنا ثم بجل

إن علياً هو من شر البدل            إن تعدلوا بشيخَنا لا يعتدل

                     اين الوهاد وشماريخ القُلل

وتطرف بعضهم إلى نصرة وتفضيل عثمان على الرغم من معرفته بفضل الإمام علي فقال[6].

نحن بنو ضبة أعداء علي        ذاك الذي يُعرف قدماً بالوصي

وفارس الخيل على عهد النبي    ما أنا عن فضل علي بالعمي

لكنني أنعى ابن عفان التقي       إن الوليّ طالب ثار الولي

وهذا مما يشير إلى مرحلة من التعصب الأعمى الذي قاد إلى الإغضاء عن فضائل الإمام علي وقد استدعى ذلك منافحة أصحابه الذين صدعوا بفضله وأبرزوا في أراجيزهم مناقبه وخصال الفضل والتميز التي انفرد بها، فقال هاشم بن عتبة المرقال[7]:[8]

((وسرنا إلى خير البرية كلها          على علمنا أنا إلى الله نرجع

نوقّره في فضله ونُجله                 وفي الله ما نرجو وما نتوقع))

وقال أبو الهيثم بن التيهان الانصاري[9]:

قل للزبير وقل لطلحة أننا         نحن الذين شعارنا الانصار

إنّ الوصيّ إمامنا وولينا          برح الخفاء وباحت الأسرار

وقال رجلٌ من الأزد مذكراً بيوم الغدير[10]:

هذا عليٌّ وهو الوصي          آخاه يوم النجوة النبي

وقال هذا بعديَ الوليّ           وعاه واعٍ ونسي الشقي

وقال حجر بن عديّ الكندي[11] معدداً جملة من فضائل الإمام علي[12]:

((يا ربنا سَلّم لنا عليّا           سلّم لنا المبارك المضيّا

المؤمن الموحد التقيا           لا خَطِل الرأي ولا غَويا

بل هادياً موفقاً مهديّا           وأحفظه ربّي وأحفظ النبيّا

فيه فقد كان له وليّا             ثم ارتضاه بعده وصيّا))

وقال زحر بن قيس الجعفي[13] يوم الجمل[14]:

أضربكم حتى تقروا لعليّ          خير قريش كلها بعد النبي

مَنْ زانه الله وسمّاه الوصي        أن الولّي حافظٌ ظهر الولي

             كما الغويُّ تابعٌ أمرَ الغويّ[15].

الهوامش:
[1] أبو مخنف، الجمل وصفين، ص110، وينظر: خطبة عائشة في أهل البصرة بالمضمون نفسه.
[2] لتفنيد هذا الزعم ينظر في كلمات الإمام علي التي تكررت في أكثر من مرة مثل قوله يصف اقبال الناس وشوقهم لمبايعته: «فَمَا رَاعَنِي إلا والنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وشُقَّ عِطْفَايَ مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ». نهج البلاغة، ص38، الخطبة 3.
وقوله عليه السلام: «ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ الإبِلِ الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ وسَقَطَ الرِّدَاءُ ووُطِئَ الضَّعِيفُ وبَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنِ ابْتَهَجَ بِهَا الصَّغِيرُ وهَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ وتَحَامَلَ نَحْوَهَا الْعَلِيلُ وحَسَرَتْ إِلَيْهَا الْكِعَابُ» المصدر نفسه، ص443–444، خطبة 228.
وقوله عليه السلام: «فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلادِهَا تَقُولُونَ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ...» المصدر نفسه، ص239 من كلام له رقم 137.
وقوله عليه السلام: «لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً» المصدر نفسه، ص238 من كلام له رقم 136.
وقوله عليه السلام: «إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ ولا لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ وإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لله رِضًا» المصدر نفسه، ص463؛ الكتاب رقم 6.
[3] الخطمي الأوسي يُعرف بذي الشهادتين لأن رسول الله صلى الله عليه وآله جعل شهادته كشهادة رجلين، شهد بدراً وما بعدها من المشاهد ثم صحب الإمام علياً عليه السلام ، واستشهد في صفين سنة 37هـ/657م.

 ابن عبد البر، الاستيعاب، 1/417–418؛ ابن حجر، الاصابة، 1/425–426.
[4] أبو مخنف، الجمل وصفين، ص184.
[5] أبو مخنف، الجمل وصفين، ص175.
الأسل: الرماح.
بجل: حسبكم حيث انتهيتم.
الوهاد: المكان المنخفض من الأرض.
شماريخ القلل: الجبال العالية.
ابن منظور، لسان العرب، مادة أسل، مادة بجل، مادة وهد، مادة قلل.
[6] أبو مخنف، الجمل وصفين، ص181.
[7] ابن أبي وقاص الزهري، عُرف بالمرقال لأنه كان يرقل في الحرب أي يُسرع، يقال أنه أسلم يوم الفتح، وحضر القادسية وله بها آثار مذكورة، صحب الإمام علياً إبان خلافته وكان من أول المسارعين إلى بيعته في الكوفة، فشهد معه الجمل وصفين، واستشهد فيها.

ابن عبد البر، الاستيعاب، 3/616–621؛ ابن حجر، الاصابة، 3/593.
[8] ديوان هاشم المرقال، ص71؛ أبو مخنف، الجمل وصفين، ص156.
[9] أبو مخنف، الجمل وصفين، ص179.
[10] المصدر نفسه، ص180.
أشار في هذين البيتين إلى قول رسول الله صلى الله عليه وآله للناس في غدير خم لما عاد من حجة الوداع: ((أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من انفسهم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهم والِ مَنْ والاه وعادِ مَنْ عاداه)). ابن حنبل، فضائل أمير المؤمنين علي، ص317؛ النسائي، خصائص، ص117–144.
[11] حجر الخير من فضلاء الصحابة، شهد القادسية، وشهد مع الإمام علي عليه السلام الجمل وصفين، ولما ولى معاوية زياد بن أبيه على العراق وأظهر الغلظة وسوء السيرة عارضه حجر، فبعث به زياد إلى معاوية في إثني عشر رجلاً من أصحابه فقتله معاوية سنة 51هـ أو 53هـ
 ابن عبد البر، الاستيعاب، 1/356–358؛ ابن حجر، الاصابة، 1/314–315.
[12] أبو مخنف، الجمل وصفين، ص182–183.
[13] زحر بن قيس الجعفي: أحد أصحاب الإمام علي، أنزله المدائن في جماعة جعلهم هناك رابطة، وهو الذي أرسله الإمام رسولاً إلى أهل همدان وعاملها جرير بن عبد الله البجلي، فخطب موضحاً الموقف في حرب الجمل.
الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 8/489–490؛ المنقري، صفين، ص15–18.
[14] أبو مخنف، الجمل وصفين، ص186.
[15] لمزيد من الاطلاع ينظر: رواية فضائل الإمام علي عليه السلام والعوامل المؤثرة فيها (المراحل والتحديات)، الدكتورة ختام راهي الحسناوي، ص 48-53.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1264 Seconds