من ضوابط فهم النص القرآني في نهج البلاغة: خامساً: ارتباط الدلالة بالسياق الأسلوبي

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من ضوابط فهم النص القرآني في نهج البلاغة: خامساً: ارتباط الدلالة بالسياق الأسلوبي

219 مشاهدة

بقلم م. م. الشيخ محسن الخزاعي- جامعة الكوفة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين أساس الدين وعماد اليقين.
أما بعد:
خامساً: ارتباط الدلالة بالسياق الأسلوبي
ترتبط الدلالة بالسياق الأسلوبي ؛ لأنَّ الدلالة نتاج أساليب القول، وعليه فإنَّ من يتصدى إلى فهم معاني القرآن الكريم لا بد له أن يكون مطلعاً على خصائصه اللغوية والسياقية والفنية التي تتشابك معاً في النص القرآني حتى كان معجزة تحدى الله تعالى بها العرب.
فكما هو معلوم أنَّ القرآن الكريم نزل بلسان العرب وتحدث بحديثهم وعالج قضاياهم وعبَّر بلغتهم قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَّشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}([1]).
وقد تميز القرآن الكريم في خطابه وبيانه وإرشاده وبلاغته بتراكيب معينة وعبارات خاصة تتطلب فهماً واسعاً من المفسر، فقد ورد عن الإمام علي عليه السلام: "وتعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره فإنه شفاء الصدور وأحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص"([2]).
وكذلك وصفه للقرآن الكريم: "وكتاب الله بين أظهركم ناطق لا يعيى لسانه، وبيت لا تهدم أركانه، وعز لاتهزم أعوانه"([3]).
إذ يتبين هنا من كلامه عليه السلام "تعلموا القرآن وتفقهوا فيه" و"ناطق لا يعيى لسانه"، أنَّ القرآن الكريم يتميز بأساليب عالية المضامين راقية الأداء، وعليه ينبغي على المفسر أن يكون بمستوى عال من الإحاطة بهذه الأساليب، التي حاول تَتَبعها العلماء قديماً وحديثاً، إذْ إنَّ وقوف المفسر على هذه التعبيرات وهذه الخصائص يساعده على فهم دقيق لما يعرض له من آيات بينات.
فقد وقف الطاهر بن عاشور على هذه القاعدة وذكرها في المقدمة العاشرة من مقدماته التي قدم بها لتفسيره فأكَّدها ؛ لأنَّها من القواعد المهمة في فهم القرآن الكريم واستيعاب مراده إذْ تتبع بنفسه هذا النمط من تعبيرات القرآن الكريم فوجده يمضي على طريقة مفردة فمن هذه التعبيرات على سبيل المثال: أن كلمة (هؤلاء) إذا لم يجئ بعدها عطف بيان تبين المشار إليهم فإنَّها يراد بها (المشركون من أهل مكة) كقوله تعالي: {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ} ([4]) وقوله سبحانه: {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ}([5])، ومن أساليب القرآن أنَّه إذا حكى المحاورات والمجاوبات حكاها بلفظ (قال)، من دون حرف عطف إلاّ إذا انتقل من محاورة إلى أخرى([6]).
وغير ذلك من الخصائص التي حفل بها أسلوب القرآن الكريم وانفراداته التي توقف القارئ والمفسر على خبر عظيم إذْ يضع يده على مفاتيح الفهم ووسائل الإدراك.
ومن الأمثلة على ذلك ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: عند تلاوتة {يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَريمِ}([7])، "أَدْحَضُ مَسْؤلٍ حُجَّةً وَأَقْطَعُ مُغْتَرٍّ مَعْذِرَةً لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَةً بِنَفْسِهِ يَا أَيُّهَا اَلْإِنْسَانُ مَا جَرَّأَكَ عَلَى ذَنْبِكَ وَمَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ومَا أَنَّسَكَ بِهَلَكَةِ نَفْسِكَ أَ مَا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمِكَ يَقَظَةٌ أَمَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَيْرِكَ فَلَرُبَّمَا تَرَى اَلضَّاحِيَ مِنْ حَرِّ اَلشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ"([8]).
قال أبن أبي الحديد المعتزلي " لقائل أنْ يقول: لو قال: ما غرك بربك العزيز أو المنتقم أو نحو ذلك لكان أولى للإنسان المعاتب أنْ يقول: غرني كرمك الذي وصفت به نفسك "([9]).
وهذا الانتزاع لا يأتي إلا من خلال معرفة معهود الخطاب القرآني وفهم دلالاته، التي يجب أنْ تكون في حساب كل مفسر يروم مقاصد القرآن الكريم وسبر أغواره والكشف عن مداليله.
 ولعل هذا ما انماز به "تفسير الميزان" إذْ لم يَفُت السيد العلامة بعد أنْ يبين الغرض الكلي للسورة أو المقطع القرآني أنْ يبين الأغراض الأُخرى التي لم تقف إلى جانب الغرض الكلي أو الأساسي.
فهو على سبيل المثال لا الحصر نجده عند تفسير سورة (الأحقاف) بعد أنْ يذكر غرض السورة وهو (إنذار المشركين الرادين للدعوة إلى الإيمان بالله ورسوله والمعاد بما فيه من أليم العذاب لمنكريه المعرضين عنه) يبين الأغراض الفرعية في السورة، وهي: أنَّ ثمة أمر غير الإنذار ملحوظ هو: الاحتجاج بأمور عقائدية هامة([10]).
وهذا بحد ذاته ناجم عن إحاطة السيد العلامة بأبعاد النص القرآني ومعرفة دلالاته التي تُعدُّ ركيزة مهمة في فهم القرآن الكريم، التي أشار إليها الإمام علي عليه السلام في بعض كلامه في نهج البلاغة.([11]).

الهوامش:
([1]) إبراهيم: 4.
[2])) نهج البلاغة، 1/ 216.
[3])) نهج البلاغة، 2/ 16.
([4]) الزخرف: 29.
([5]) الأنعام: 89.
([6]) ظ: التحرير والتنوير، ابن عاشور، المقدمة العاشرة، 1/ 125.
([7]) الانفطار، 6.
([8]) نهج البلاغة، 1/213.
([9]) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، 11/ 240، ظ : نهج البلاغة سراج الفكر وسحر البيان (بحوث المؤتمر العلمي الأول)، عادل عباس هويدي النصراوي، جامعة الكوفة، ط/1، 1433ه ـ 2011م، 3/251.
([10]) ظ: الميزان، 18/ 189.
[11]) لمزيد من الاطلاع ينظر: أثر نهج البلاغة في تفاسير الإمامية، الشيخ محسن الخزاعي، طبعة مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ص106-109.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1629 Seconds