من مرويات الإمام علي (عليه السلام) في لسان العرب: أولاً: ابنية اسم الفاعل: 3. بيان معنى (دَامِغْ) في قوله (عليه السلام) ((دَامِــغِ جيشاتِ الأباطيــلِ))

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من مرويات الإمام علي (عليه السلام) في لسان العرب: أولاً: ابنية اسم الفاعل: 3. بيان معنى (دَامِغْ) في قوله (عليه السلام) ((دَامِــغِ جيشاتِ الأباطيــلِ))

345 مشاهدة

بقلم: د. سعيد عكاب عبد العالي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من اصطُفي من الخلق، وانتُجب من الورى، محمد وآله أُلي الفضل والنُّهى.
وبعد:
يُصَاغُ اسمُ الفَاعِلِ مِنِ الفعْلِ الثُّلاثيّ المُجرَّدِ علَى زِنَةِ(فاعِل)، ويكثرُ هَذَا البنَاءُ من(فَعَلَ) اللَّازمِ والمتعدِّي، و(فَعِل) المُتعدِّي([1]).
وقدْ جَاءَ هذا البناءُ في المرويَّات نحو (أربعينَ) مرَّةً، وهو حافلٌ بشحنَاتٍ دَلاليَّةٍ
أسهمتْ بشكلٍ كبيرٍ في إبرازِ دَلالةِ النَّصِّ. ومنهَا ما يأتي:
3- قالَ ابنُ منظور في بيانِ معنى(دَمِيغ): «رَجُلٌ دَمِيغٌ ومَدْموغ: خَرَجَ دِماغُه، ودَمَغَه: أَصابَ دِماغَه. ودَمَغَه دَمْغًا: شَجَّه حَتَّى بَلَغَتِ الشَّجَّةُ الدِّمَاغَ، واسْمُهَا الدّامِغةُ. وفي حَدِيث عَلِيٍّ، (عليه السَّلام): دامِغِ جَيْشاتِ الأَباطِيل، أَي: مُهْلِكِها، يُقَالُ: دَمَغَه دَمْغًا إِذَا أَصابَ دِماغَهُ فَقَتَلَهُ»([2]).
قالَ ابنُ قتيبة في معنى(دَامِـغ): «دَامِــغِ جيشاتِ الأباطيــلِ، يُرِيــدُ المُــهلكَ لمَـا نـجــمَ وارتفعَ من الأباطيلِ، وأصلُ الدَّمغِ من الدِّمَاغِ، كَأَنَّهُ الَّذي يَضْربُ وسطَ الرَّأْسِ فَيَدْمِغ، أَيْ: يُصِيبُ الدِّمَاغَ»([3]).
 وأصلُ الكلمةِ صفةٌ لرسولِ اللهِ(صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ)، فهو مُهلك مَا ارتفعَ من الأباطيلِ ولو جيشتْ، ومعنى جيشاتِ، مأخوذٌ من جَاشَ الشَّيء، أي: ارتفعَ، وجاشَ الماءُ إذا طمى، وجاشتِ النَّفسُ إذا ارتفعَ قدرُهَا ومكانتها([4]). وجاءَ في كتابِ اللهِ العزيزِ قوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ولَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)([5])، وقالَ الزَّمخشَريّ في تفسيرِ هذه الآيةِ: «والدَّمغُ، تصويرًا لإبطالهِ وإهدارهِ ومحقهِ، فجعلَهُ كأنَّهُ جرمٌ صلبٌ كالصَّخرةِ مثلًا، قذفَ بِهِ على جرمٍ رخوٍ أجوفَ فدمغَهُ»([6])، فاستعارَ ذَلكَ المعنى، ودَمَغَ الحقُّ الباطِلَ: مَحاهُ وتغلَّبَ عليه، وأبطله ومحقَهُ، وكذلكَ قَهرهُ، وعلاهُ، وكُلُّ ذَلكَ علَى وجهِ الاستعارةِ([7]).
استعملَ الإمامُ(عليه السَّلام)اسمَ الفاعِلِ(دامغ) للدَّلالةِ علَى تجدُّدِ دمغِ النَّبيّ(صلَّى اللهُ عليه واله وسلَّمَ) جيشاتِ الأباطيلِ حتَّى بعدَ وفاتِهِ، ولو قَالَ الإمامُ(عليه السَّلام): (دَمَغَ)؛ لَكَانَ الدَّمْغُ حَصَلَ في وقْتٍ مَاضٍ ولَمْ يَستَمِرَّ ويَتجدَّدْ، وانتهى بانتهاءِ زمنِ الرِّسالةِ الإسلاميَّةِ، أمَّا لو قالَ: (دميغُ جيشاتِ الأباطيلِ)؛ لكانَ الدَّمغُ ثابتًا ومستقرًّا، إلَّا أنَّهُ لا تجدُّدَ فيهِ، والرِّسالةُ الإسلاميَّةُ تتطلَّبُ التَّجديدَ والتَّغييرَ، ولا يناسِبُ هذا المقامَ إلَّا اسمُ الفاعلِ، لأنَّهُ يدلُّ على التَّجديدِ والتَّغييرِ مقارنةً بالصِّفةِ المشبَّهةِ([8]).([9]).

الهوامش:
[1]   ينظر: شرح ابن عقيل: 3/ 134 ، والاشتقاق، عبد الله أمين: 247، والمدخل الى علم النحو والصرف،  عبد العزيز عتيق: 84.
[2]   لسان العرب(دمغ): 6/277.
[3]   غريب الحديث، لابن قتيبة: 2/146.
[4]   ينظر: شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد: 19/136.
[5]   الانبياء: 18.
[6]   الكشاف: 18/323.
[7]   ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة(د م غ)، احمد مختار عمر: 1/769.
[8]   ينظر: التحليل اللغوي في ضوء علم الدّلالة: 71.
[9] لمزيد من الاطلاع ينظر: مرويات الامام علي عليه السلام في لسان العرب: سعيد عكاب عبد العالي، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 50 – 52.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1432 Seconds