من خصائص نهج البلاغة: 10- النصح والإرشاد

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من خصائص نهج البلاغة: 10- النصح والإرشاد

279 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 31-10-2021

 بقلم: الدكتور علي الفتال

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وآله الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
من خلال قراءتي ((نهج البلاغة)) بتأملٍ وتأنٍ ورويَّة، وجدت في محتواه خصائص هي بمجموعها تشكل قوانين الحياة بمفاصلها الحيوية، وأنا بتحديدي تلك الخصائص لا يعني ذلك أنني توفرت على خصائص ((النهج)) كلها بل هي بعض ما تراءى لي بعد قراءتي المتأنية تلك. لذلك أطلقتُ عليها ((من خصائص))، والتبعيض هذا الذي دلّت عليه الأداة (مِن) يعني أن ثمة خصائص أخرى يضمها كلام علي عليه السلام فاكتفيت بالذي وجدت.
وإليك قارئي العزيز هذه الخصائص
النصح والإرشاد
- إن كلام الإمام علي عليه السلام كلّه نصح وإرشاد في مجالات الحياة كافة ولكن ثمة ما هو خاص وما هو أخص، فنحن في فقرتنا هذه سنستشهد بالأخص الأخص مما تناثر هنا وهناك من (نهج البلاغة).

ففي ذكر المكاييل والموازين قال عليه السلام:
((عباد الله إنكم - وما تأملون من هذه الدنيا - أثوياء (ضعفاء) مؤجلون، ومدينون مقتضون، أجل منقوص، وعمل محفوظ، ورُبَّ دائبٍ مضِيعٌ، ورُبَّ كادح خاسر، وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدباراً، ولا الشر إلا إقبالاً، ولا الشيطان في هلاك الناس إلا طمعاً، فهذا أوان قويت عدته، وعميت مكيدته، وأمكنت فريسته، اضرب بطرفك حيث شئت من الناس فهل تبصر إلا فقيراً يكابد فقراً أو غنياً بدّل نعمة الله كفراً، أو بخيلاً اتخذ البخل بحق الله وفراً، أو متمرداً كان بأذنه عن سمع المواعظ وقراً، أين خياركم وصلحاؤكم؟ وأين أحراركم وسمحاؤكم؟ وأين المتورعون في مكاسبهم؟ والمتنـزهون في مذاهبهم؟ أليس قد ضعفوا جميعاً عن هذه الدنيا الدنية والعاجلة المنفضة؟ وهل خُلِقتم إلا في حثالة لا تلتقي بذمِّهم الشفتان استصغاراً لقدرهم، وذهاباً عن ذكرهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ظهر الفساد فلا منكِر مغيِّر، ولا زاجر مزدجِر، أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله في دار قدسه، وتكونوا أعز أوليائه عنده؟ هيهات لا يُخدَعُ الله عن جنته، ولا تُنال مرضاته إلا بطاعته، لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، والناهين عن المنكر والعاملين به)).

وفي النهي عن عيب الناس قال عليه السلام:
((وإنما ينبغي لأهل العصمة والمصنوع إليهم في السلامة أن يرحموا أهل الذنوب والمعصية، ويكون الشكر هو الغالب عليهم والحاجز لهم عنهم، فكيف بالعائب الذي عاب أخاً وعيَّره ببلواه، أما ذكر موضع ستر الله عليه ذنوبه مما هو أعظم من الذنب الذي عابه به. وكيف يذمه بذنب قد ركب مثله، فإن لم يكن ركب ذلك الذنب بعينه فقد عصى الله في ما سواه فما هو أعظم منه. وأيم الله لئن لم يكن عصاه في الكبير وعصاه في الصغير لَجُرأَتُهُ على عيب الناس أكبر، يا عبد الله لا تعجل في عيب أخذ بذنبه فلعله مغفورٌ له، ولا تأمن على نفسك صغير معصية فلعلك معَذَبٌ عليه، فليكفف من علم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه، وليكن الشكر شاغلاً له على معافاته، مما ابتلى به غيره)).

وقال عليه السلام:
[أيها الناس، من عرف أخيه وثيقة دين، وسداد طريق فلا يسمعن فيه أقاويل الرجال، أما أنه يرمي الرامي وتخطيء السهام ويحيل الكلام، وباطل ذلك يبور والله سميعٌ شهيد، أما أنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع (أي: الباطل تقول سمعت والحق تقول رأيت)].

ومن خطبة في الاستسقاء قال عليه السلام:
((إن الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات وإغراق خزائن الخيرات، ليتوب تائب ويقلع مقلع، ويتذكر متذكر، ويزدجر مزدجر، وقد جعل الله سبحانه الاستغفار سبباً لدرور الرزق ورحمة الخلق فقال:
{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (نوح 10-12)}.
فرحم الله امرأً استقبل توبته واستقال خطيئته، وبادر منيته)).
ومن خطبة له عليه السلام طويلة نجتزئ منها ما يخص فقرتنا إذ قال:
((… فأفق أيها السامع من سكرتك واستيقظ من غفلتك، واختصر من عجلتك، وأنعم الفكر فيما جاءك على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلَّم مما لابد منه ولا محيص عنه، وخالف من خالف ذلك إلى غيره، ودعه وما رضي لنفسه، وضع فخرك واحطط كِبرك، واذكر قبرك فإن عليه ممرك، وكما تدين تُدان، وكما تزرع تحصد، وما قدّمت اليوم تُقدِم عليه غداً، فامهد لقدمك، وقدّم ليومك فالحذر الحذر أيها المستمع، والجد الجد أيها الغافل ولا ينبئك مثل خبير)).

ومن خطبة له عليه السلام قال:
((ليتأس صغيركم بكبيركم، وليرأف كبيركم بصغيركم، ولا تكونوا كجفاة الجاهلية لا في الدين يتفقهون، ولا عن الله يعقلون كقبض (كقشرة البيضة العليا) بيض في اداح (مبيض النعام) يكون كسرها وزراً ويخرج حضانها شراً)).

وقال عليه السلام في أول خلافته:
((إن الله انزل كتاباً هادياً بيّن فيه الخير والشر، فخذوا نهج الخير تهتدوا، وأصدفوا عن سمت الشر تقصدوا، الفرائض الفرائض، أدّوها إلى الله تؤدكم إلى الجنّة، إن الله حرّم حراماً غير مجهول، وأحلّ حلالاً غير مدخول (معيب) وفضّل حرمة المسلم على الحُرَم كلها، وشدّ بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة وخاصّة أحدكم وهو الموت فإن النار أمامكم، وإن الساعة تحدوكم من خلفكم، تخففوا تلحقوا، وإنما يُنتظر بأولكم آخرُكم، اتقوا الله في عباده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والهائم، أطيعوا الله ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر، فأعرضوا عنه)).
وعندما سمع قوماً من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفّين قال عليه السلام:
((إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالكم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم، اللهم احقن دماءنا وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به))([1]).

الهوامش:
[1] لمزيد من الاطلاع ينظر: أضواء على نهج البلاغة بشرح ابن أبي الحديد في استشهاداته الشعرية، د. علي الفتال، ط: مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة: ج1، ص 296 - 299.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1376 Seconds