من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام قوله (عليه السلام): «وَتَقِيَّةٍ تُنْجِيْكُمْ يَوْمَ يُذْهِلُكُمْ وَيُبْلِيْكُمْ».

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام قوله (عليه السلام): «وَتَقِيَّةٍ تُنْجِيْكُمْ يَوْمَ يُذْهِلُكُمْ وَيُبْلِيْكُمْ».

721 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 09-10-2023

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل

الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:
قوله عليه السلام: «وَتَقِيَّةٍ تُنْجِيْكُمْ، يَوْمَ يُذْهِلُكُمْ وَيُبْلِيْكُمْ».

يُبْلِيْكُم
أَصل مادَّة (يبيلكم) في اللُّغة من البلاء، أَو الابتلاء، وهو إظهار الخير من الشرِّ، والعلم والمعرفة بكنه الأَشياء. جاء في (العين): «...بُلِيَ الإنسان وابتُلي إذا امتُحِنَ... والبلاء في الخير والشرِّ، والله يُبلي العبد بلاءاً حسناً وبلاءاً سيئاً. وأَبليتُ فلاناً عُذراً، أَيْ: بيَّنتُ فيما بيني وبينه ما لا لوم عليَّ بعده. والبلوى هي البليَّة، والبلوى: التَّجربة، بلوته أَبلوه بلواً)[1].
وقال الرَّاغب: «... وبلوته: اختبرته كأَنِّي أَخلقتُه من كثرة اختباري له، وقرئ: «هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ» [يونس/30]، أَيْ: تعرف حقيقة ما عملت؛ ولذلك قيل: بلوتُ فلاناً، إذا اختبرته، وسمِّي الغمُّ بلاء من حيث إنــَّه يبلي الجسم... وإذا قيل: ابتلى فلان كذا وأَبلاه، فذلك يتضمَّن أَمرين: أَحدهما تعرُّف حاله، والوقوف على ما يُجهل من أَمره، والثــَّاني ظهور جودته ورداءته، ورُبَّما قُصد به الأَمران، ورُبَّما يقصد به أَحدهما، فإذا قيل في الله تعالى: بلا كذا وأَبلاه، فليس المراد منه إلاَّ ظهور جودته ورداءته، دون التَّعرُّف لحاله، والوقوف على ما يُجهل من أَمره؛ إذ كان الله علاَّم الغيوب، وعلى هذا قوله عَزَّ وَجَلَّ: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ»[البقرة/ 124]...)[2].
وجاء في (أَساس البلاغة): «وبلي فلان: أَصابته بليَّة... وناقة بلو سفر: قد بلاها السَّفر، وأَبلاها. وقولهم: أَبليته عذراً إذا بيَّنته له بياناً لا لوم عليك بعده، حقيقته جعلته بالياً لعذري، أَيْ: خابراً له عالماً بكنهه، وكذلك أَبليته يميناً... ومنه أَبلى في الحرب بلاء حسناً إذا ظهر بأْسه حتَّى بلاه النَّاس، وخبروه... وابتليت الأَمر: تعرَّفته»[3].
وجاء في (لسان العرب): «بَلَوْتُ الرَّجلَ أَبْلُوْهُ بَلْواً وبلاءً. وابتليته: اختبرته، وبَلاه يَبلوه بَلْوًا إذا جربَّه واختبره... وقد ابتليتُه فأَبلاني، أَيْ: استخبرته فأَخبرني... وابتلاه الله يُبلي العبد بلاء حسناً، ويبليه بلاء سيئاً... والجمع بلايا»[4].
وتطابقت دلالة الفعل (يبليكم) في الخطبة مع دلالته اللُّغوية، إذ جاء الفعل (يبليكم) مرَّةً واحدة في الخطبة، وفي معنى إظهار الخير والشَّرِّ، وهو ثاني الأَفعال الخمسة الَّتي أَوردها أَمير المؤمنين (عليه السلام)  في وصف يوم القيامة، وما يجري فيه على الإنسان، إذ قال (عليه السلام): «وَصَيْتُكُمْ مَعْشَرَ مَنْ حَضَرَنِي: بِتَقْوَى رَبِّكُمْ، وَذَكَّرْتُكُمْ بِسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ، فَعَلَيْكُم بِرَهْبَةٍ تُسَكِّنُ قُلَوْبَكُمْ، وَخَشْيَةٍ تُذْرِئُ دُمُوْعَكُمْ، وَتَقِيَّةٍ تُنْجِيْكُمْ، يَوْمَ يُذْهِلُكُمْ وَيُبْلِيْكُمْ».
و(يبليكم) فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضَّمَّة المقدرَّة على الياء؛ منع من ظهورها الثــِّقل، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازاً، تقديره هو، عائد إلى (يوم) و(كم) ضمير متَّصل مبنيٌّ في محلِّ نصب مفعول به. وجملة (ويبليكم) معطوفة على جملة (يذهلكم))[5].

الهوامش:
[1]. العين: 2/190. وينظر: تهذيب اللغة: 5/190، والمحيط في اللغة: 2/460، والمخصّص: 1/343.
[2]. مفردات ألفاظ القرآن: 145و 146.
[3]. أساس البلاغة: 1/32.
[4]. لسان العرب: 14/83.
[5] لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 155-157.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2428 Seconds