من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة قال عليه السلام: ((وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ وَيَآفِيخُ الشَّرَفِ وَالاْنْفُ الْمُقَدَّمُ وَالسَّنَامُ الاْعْظَمُ))

مقالات وبحوث

من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة قال عليه السلام: ((وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ وَيَآفِيخُ الشَّرَفِ وَالاْنْفُ الْمُقَدَّمُ وَالسَّنَامُ الاْعْظَمُ))

1K مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 08-10-2023

بقلم: د. حسام عدنان الياسري.

الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، مانع كل غنيمة وفضل، وكاشف عظيمة وازل، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الاطهار.

وبعد:
السَّنَام
السَّنام أعلى ظَهر البَعير والنّاقة[1]. يقال: جَمَل سَنِم. أي عظيم السَّنام[2]. وتَسَنَّمْت الشيء إذا عَلَوْتُهُ[3].
وقد استعمل الإمام (عليه السلام) مفردة (سَنَام) أربع مرات في نهج البلاغة. في حين جاءت لفظة (تَسَنَّمْتم) مرة واحدة[4]، للدلالة على العَلوَّ والارتقاء. ويمكن تفصيل ذلك بحسب ما يأتي:

أولاً: الدلالة على علو الشَّأن ورفعة المنزلة.
وقد وردت هذهِ الدلالة في استعمالات متعددة، وظّف فيها الإمام مفردة (سَنَام) لهذا المعنى، ومن ذلك قوله مخاطباً أصحابه في بعض أيام (صِفّين)، وهو يحثهم على القتال: ((وَقَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ، وَانْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ، تَحُوزُكُمُ الْجُفَاةُ الطَّغَامُ، وَأَعْرَابُ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ، وَيَآفِيخُ الشَّرَفِ، وَالاْنْفُ الْمُقَدَّمُ، وَالسَّنَامُ الاْعْظَمُ...)) [5]. والنص في مقام التعجب، ومن ثَمّ مدح أصحابه عندما حازهم جند الشام، ولهذا ذكر أصحابه بأنّهم أهل السَّبْق والتقْدُمة، والمقام والشرف والرَّفعة وعُلُوَّ المكانة. جاعلاً هذهِ الخصال جميعاً بإزاء خصلتين من أقبح الخصال التي يتسم بها الإنسان، وهما (الجُفاة، والطّغام)، للدلالة على أراذل الناس وأوغادهم. والملاحظ أنّه استعمل مفردات (لَهامِيْم)، و(يَآفيخ)، و(الأنْف)، و(السَّنَام)، للدلالة على مَدْحِهم بذكر أشرف المواضع من الإنسان والدّواب على جهة التشبيه، آخذاً من لفظة (السَّنَام) دلالتها على العُلُو والعِظَم، بوصفه أكبر أجزاء البدن في البَعيْر وأعلاها، لهذا استعاره الإمام لتحقيق معنى عُلوَّ رُتبة هؤلاء القوم من أصحابه وسبقهم شرفاً ورفعة ومنزلة على أعراب أهل الشّام أصحاب الغِلظة والجفاء، فهم رؤساء الناس وكبارهم[6].   

أقول: ويتكرر هذا الضَّرب من التعبير في نهج البلاغة أينما أراد الإمام بيان شجاعة أصحابه، أو عند حثّهم على القتال، فكأنّ مدحهم بهذهِ الصّفة يحرّك فيهم الهِمّة والرغبة في المناجزة والسَّعي إلى النَّصر، فإن قصد الدلالة على سَبقهم وتقدّمهم وجُودهم، وصَفَهَم بكونهم (لَهامِيْم العرب والسَّنام الأعْظم). مشيراً بتعبير (السَّنام الأعْظم) إلى قِدمِ منزلتهم ومكان تَدَبّرهم وحكمتهم بين الناس جميعاً. وذلك أنّ (سنام البعير) كلما عَظُم وكَبُر، كان ذلك دلالة على قِدم البعير وكبر عمره. وفي هذا المعنى إشارة إلى معنى الحكمة وحُسْن التّدبير، فضلاً عن علو القَدْر. وذلك مستوحىً من خيار ما في البعير من جزء، وهو السّنام[7]. ومما يُدلل على ذلك قوله (عليه السلام) مُستنهضاً صحبه على القتال، مُحذراً إيّاهم من الفرار في المعركة: ((... وَأيْمُ اللهِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ، لاَ تَسْلَمُوا مِنْ سَيْفِ الاْخِرَةِ، أَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ، وَالسَّنَامُ الاْعْظَمُ...))[8]. كأن تحذيرهم من الفرار يمثل عاراً لهم في الدنيا والآخرة، علاوة على عدم إمكان فرارهم من عقاب الله تبارك وتعالى. وتبدو العلاقة بين (الفِرار) في المعركة، والتذكير بالمكانة والرفعة التي عليها القوم واضحة؛ فكلما كان المرء كبيراً في قومه، عالي المقام عندهم، كلمّا كَبُرَ عليه النكوص والإفْلات في الوقائع. ولهذا ذَكّرهم الإمام بمنزلتهم هذهِ مع شِدَّة الضَرب وَهْول المعركة مَدْحاً لهم، وحَثّاً على بَذْل أقصى ما عندهم من قوّة في سبيل النَّصر. ولمّا أراد الإمام الدلالة على سوء عاقبة الفرار في الدنيا، ذكر سوء عاقبته في الآخرة، وهو عدم الإفلات من (سيف الآخرة). إشارة إلى عقاب الله تبارك وتعالى وعدله.
وقد وصف الإمام (أهل الكوفة)، لمّا أراد استنفارهم إلى جهاد العَدوَّ بالبصرة في (حرب الجمل) بأنّهم (سَنَام العرب) وذلك في قوله: ((مِنْ عَبْدِ اللهِ عَلِيّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، جَبْهَةِ الاَْنْصَارِ وَسَنَامِ الْعَرَبِ...))[9].فاستعار لهم لفظ (الجبهة)، و(السَّنام). والجبهة من الإنسان هي الجزء المستوي الواقع ما بين الحاجبين إلى النّاصية[10]. وهي محل الشَّرف والكرامة من الإنسان. ولهذا كانت الصلاة مشتملة على وضع الإنسان جبهته على الأرض ما يصح السجود عليه خضوعاً وتذللاً لله جل جلاله. واستعماله (عليه السلام) لهذه المفردة في هذا السيّاق يوحي بالدلالة على أنّ المخاطبين هم وجُوه القَومْ وساداتهم الذين يستحقون هذا الوصف. وقد ذكر بعض الشراح أنّهم يكنون بالجبهة عن أحسن الشيء وخياره. ولهذا أوردها أمير المؤمنين في مقام المدح والثناء على الأنصار من أهل الكوفة، فإنّهم أعظم الناصرين له، وأكثرهم جِهَاداً في حقه[11]، فضلاً عن كونهم أعوانه[12].
وقد اتبع الإمام قوله المتقدم بتعبير (سَنَام العرب)، إشارة إلى رفعتهم وعُلوهم[13]. فهم قمة العَرب)[14].

الهوامش:
[1] ينظر: لسان العرب (سنم): 12/306.
[2] ينظر: العين (سنم): 7/273، وتهذيب اللغة (سنم): 13/13.
[3] ينظر: تهذيب اللغة (سنم): 13/13.
[4] ينظر: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 226.
[5] نهج البلاغة: خ، 107: 194، 195.
[6] ينظر: الديباج الوضي: 2/852.
[7] ينظر: لسان العرب (سنم): 12/302.
[8] نهج البلاغة:خ/ 124: 288 .
[9] نفسه: ك / 1: 459.
[10] ينظر: العين (جبه): 3/395.
[11] ينظر: الديباج الوضي: 5/2102.
[12] ينظر: شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 14/8.
[13] ينظر: شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 14/ 8، والديباج الوضي: 5 / 2102.
[14] لمزيد من الاطلاع ينظر: ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة: للدكتور حسام عدنان رحيم الياسري، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 48-51.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.2327 Seconds