من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام: دلالة الفعل ((شَخَصَ)) في قوله عليه السلام «فشَخَصَ ببصره»

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من دلالة الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام: دلالة الفعل ((شَخَصَ)) في قوله عليه السلام «فشَخَصَ ببصره»

271 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 22-05-2024

بقلم: الدكتور مصطفى كاظم شغيدل

الحمد لله الذي صدقنا وعده هي مقالة المتقين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:
امتازت الخطبة المونقة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي تسمى أيضا بـ(الخطبة الخالية من الألف) بكثرة الأفعال فيها، إذ وصلت إلى (170) فعل، فضلاً عما جاء مكرراً وبصيغة مختلفة؛ وهذه الخطبة مع أنها قيلت في موضع التندر لخلوها من الألف، غير أنها لم تكن خالية من الفكر بمختلف أبعاده، وهو على النحو الآتي:
قوله عليه السلام: « فشَخَصَ ببصره».

شَخَصَ

تدلُّ مادَّة (شَخَصَ) في اللُّغة على الارتفاع، وهو ضدُّ الهبوط. جاء في (العين): «... وشَخَصَ ببصره إلى السَّماء: ارتفع. وشَخَصَت الكلمة في الفم: إذا لم يقدر على خفض صوته بها. والشَّخيص: العظيم الشَّخص، بيَّن الشَّخاصة. وأَشخصتُ هذا عليه، إذا أَعليته عليه»[1].
وقال ابن دريد: «... وشخص الرَّجل ببصره: إذا أَحدَّ النَّظر رافعاً طرفه إلى السَّماء، ولا يكون الشَّاخص إلاَّ كذلك. وشَخَصَ من مكان إلى مكان: إذا سار في ارتفاع، فإنْ سار في انحدار، فهو هابط، والشُّخوص: ضدُّ الهبوط»[2].

وجاء في (معجم مقاييس اللغة): «الشِّين والخاء والصَّاد واحد يدلُّ على ارتفاع في شيء. من ذلك الشَّخص، وهو سواد الإنسان إذا سما لَكَ من بعد. ثــُمَّ يحمل على ذلك، فيُقال: شخص من بلد إلى بلد. وذلك قياسه. ومنه أَيضاً شُخُوص البصر»[3].
وقال الجوهريّ: «... وشَخَصَ بالفتح شخوصاً، أَيْ. يُقال: شَخَصَ بَصَرُهُ، فهو شاخص، إذا فتح عينيه، وجعل لا يَطرِف»[4].
وعدَّه ابن سيده من أَفعال الموت، وذكره في باب (أَفعال الموت)، إذ قال: «وقد شَخَصَ يَشْخَصُ شخوصاً، وأَشخصه صاحبه، ومنه شخوص البصر عند الموت»[5].
وقال ابن منظور: «... وشَخَصَ بصرُ فلان فهو شاخص، إذا فتح عينيه، وجعل لا يطرف، وفي حديث ذكر الميِّت إذا شَخَصَ بصره، شخوص البصر: ارتفاع الأَجفان إلى فوق، وتحديد النَّظر وانزعاجه»[6].
وجاء في (المصباح المنير): «... وشَخَصَ شخوصاً... ارتفع، وشَخَصَ البصرُ إذا ارتفع، ويتعدَّى بنفسه، فيُقال: شَخَصَ الرَّجلُ بَصَرَهُ: إذا فتح عينيه لا يطرف، ورُبَّما يُعدَّى بالباء فقيل: شَخَصَ الرَّجلُ ببصره، فهو شاخص»[7].
وقال الزَّبيديّ: «... وشَخَصَ كمنع شخوصاً: ارتفع. ويُقال: شخص بصرُهُ فهو شاخص: إذا فتح عينيه، وجعل لا يطرف، قال الله تعالى: «فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا»[8] شخص الميِّت بصره: رفعه إلى السَّماء فلم يطرف. وشخص ببصره عند الموت كذلك، وهو مجاز. وأَبصار شاخصة وشواخص... وقال ابن الأَثير: شخوص بصر الميِّت: ارتفاع الأَجفان إلى فوق، وتحديد النَّظر وانزعاجه»[9].

وبهذا المعنى أَورد أَمير المؤمنين (عليه السلام)  هذا الفعل (شَخَصَ) مرَّة واحدة في الخطبة، وهو رابع الأَفعال الثــَّمانية الَّتي جاء بها أَمير المؤمنين (عليه السلام)  في بيان حال الإنسان المحتضَر؛ إذ قال (عليه السلام): (فشَخَصَ ببصره). فالإنسان المحتضَر لا يقوى على شيء سوى أَنــَّه يمدُّ بصره ارتفاعاً من شدَّة النَّزْعِ، حتَّى إنــَّه لا يستطيع أَنْ يُحَرِّكَ بصره جانباً إلى مَنْ حَضَرَهُ، بل يكتفي برفعه إلى أَعلى من دون أَنْ يطرف.
وفيه تضمين لقوله تعالى: «وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ»[10].
و(فشخص) الفاء حرف عطف، و(شخص) فعل ماضٍ مبنيٌّ على الفتح، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازاً، تقديره هو، عائد إلى الإنسان المحتضَر، (ببصره) الباء حرف جرٍّ، و(بصره) اسم مجرور، وعلامة جرِّه الكسرة الظَّاهرة على آخره، وهو مضاف، والهاء ضمير متَّصل مبنيٌّ على الكسر في محلِّ جرٍّ بالإضافة، والجارُّ والمجرور متعلِّقان بالفعل (شخص). وجملة (فشخص ببصره) معطوفة على جملة (وحضره كل قريب وبعيد).)[11].

الهوامش:
[1]. العين: 299. وينظر: المخصص: 1/69، والمحكم والمحيط الأعظم: 3/360.
[2]. جمهرة اللغة: 1/317.
[3]. معجم مقاييس اللغة: 3/197.
[4]. الصحاح في اللغة: 1/349. وينظر: تهذيب اللغة: 2/419.
[5]. المخصص: 1/485. وينظر: أساس البلاغة: 1/237، وتاج العروس: 1/1444.
[6]. لسان العرب: 7/45.
[7]. المصباح المنير: 4/459.
[8]. الأنبياء: 97.
[9]. تاج العروس: 1/4462.
[10]. الأنبياء: 97.
[11] لمزيد من الاطلاع ينظر: الأفعال في الخطبة المونقة للإمام علي عليه السلام بين الدلالة المعجمية والاستعمال الوظيفي: للدكتور مصطفى كاظم شغيدل، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 179-181.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.3011 Seconds