بقلم: د. سحر ناجي المشهدي
الحمد لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتمامًا لنعمته، واستعصاماً من معصيته، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآل الطاهرين..
اما بعد:
ورد هذا اللفظ أربع مرات في النَّهْج، ليدل على:
1) المعنى الحقيقي: وهو شجرة النخل المعروفة: اذ وردت كلمة (نخيل) مضافة الى عبارة (هذه القرى) مجموعة هذا الجمع في كلام الإمام في قوله (عليه السلام): «وَيَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي يَجْعَلُهُ إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الْمَالَ عَلَى أُصُولِهِ، وَيُنْقفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ وَهُدِيَ لَهُ، أَلاَّ يَبِيعَ مِنْ أَوْلاَدِ نَخِيلَ هذِهِ الْقُرَى وَدِيَّةً حَتَّى تُشْكِلَ أرضهَا غِرَاساً»([1]) والوديّة: على زنة (فعيل) صِغار الفسيل، واحدته ودّيةٌ، والفسيل صغار النخل، وفيه كناية عن النخيلات التي تنبت من النوى تحت أشجار النخل، أو من أصولها، كأن حملها أولى ممَّا تنبت من أصولها. وفيه وصية بعدم بيع صغار النخيل مالم يكثر غراسها؛ لأن الحاجة اليها تأتي، بحصول آفة في النخيل فتغرس الفسيلة مكانها، وربما قلع الفسلان مالم تكثر النخيل يضرها وبخلافه اذا بلغت الى حد تشكل فيه غراسا، والمراد من أولاد النخيل وفصيلها وغراسها نخيلات تنبت من أصولها، لاما انبتته النوى، وربما أن النخيل قبل أن تشكل غراسا مظنة للفساد بقلتها وانعدام التفافها، اما اذا كثرت والتفت فلا تسلّط عليها الآفات، ولا تضرها انقلاع الفسائل([2]).
وجملة (حتى تشكل من أرضها غراسا) من أفصح الكلام، فينبغي للنخيل أن تكون على درجة من الكثرة تغطي أركان بستان بأكمله، وكأن كلّ شخص يشاهده في السابق يصعب عليه تشخيص هذه النخيل والبستان وكأنّه يشاهد حقلاً آخرا ([3])
وجاءت (النًخْلَة) مفردة معرفة ب(ال) في سياق التعجب من خلق النَّملة، ووقعت بدلاً من قوله (فاطر النَّملة): «وَلَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ، مَا دَلَّتْكَ الدَّلاَلَةُ إِلاَّ عَلَى أَنَّ فَاطِرَ الَّنمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْء، وَغَامِضِ اخْتِلاَفِ كُلِّ حَيّ، وَمَا الْجَلِيلُ وَاللَّطِيفُ، وَالثَّقِيلُ والخَفِيفُ، وَالْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، فِي خَلْقِهِ إِلاَّ سَوَاءٌ» ([4]). وازن الإمام بين مخلوقين مختلفين من حيث الحجم: فالنخلة كائن كبير أعقد من بنية النّملة، وبتعبير أدق لكل منهما غاية في التعقيد والدّقة لكنهما مشتركان في الهداية الآلهية منذ الولادة حتى الممات فخالق النملة على غاية صغرها وخالق النخلة على عظمها وطولها واحد هو المدبر الحكيم، ووجه الحكمة يدلُّ على صانع حكيم خصصه بها دون غيره، ووجه الحكمة دقيق تفصيل الخلقة([5]).
وفيه يتضح الإعجاز البياني بوحدانية لخالق واحد ففي هذا النص تداخلات سردية مثلت نقاط إرتكاز أضفت على حركة الخطاب فاعلية وخصوبة([6]).
والنًخْلُة: شَجَرةُ التًمْر، والجماعة: نَخْلٌ، ونَخِيل وثلاث نخلاتٍ([7])، والنًخْل: تنخيل الثًلْج والوَدَق، فالنًخْل: التصفية، والانتخال: الاختيار لنفسك افضله([8]) والنًخْلَةُ: شجرة التمر، وجمعه نَخْلُ ونخيلُ
فـــــ» النون والخاء واللام: كلمة تدل على انتقاء الشيء واختياره. وانتخلته: استقصيت حتى اخذت افضله. وعندنا ان النخل سمى به لانه أشرف كل شجر ذي ساق، الواحدة نخلة: والنًخْل: نخلك الدقيق بالمنخل، وما سقط منه فهو نُخالة»([9]).
وفي التنزيل العزيز: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ۞ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ}([10]).
والنخل: اسم جنس جمعي يتضمن معنى الجمع ويدل على الجنس، ويكثر في الاشياء المخلوقة لا المصنوعة، ويميز مفرده بالتاء، القران الكريم استعمل الجمع على لفظين هما (النَخْل والنَخيل) واختلف العلماء في علة ذلك*([11]))([12]).
الهوامش:
([1]) نهج البلاغة: ك 24، 282.
([2]) ظ: منهاج البراعة: 18 / 311.
([3]) ظ: المصدر نفسه: 18 / 313..
([4]) نهج البلاغة: خ 185، 196
([5]) ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 4 / 124 وظ: شرح نهج البلاغة: ناصر مكارم الشيرازي: 7 / 112
([6]) ظ: الخطاب في نهج البلاغة: 70.
([7])(4) ظ: الخطاب في نهج البلاغة: 70.
([8]) ظ: العين (مادة نخل): 4 / 264.
([9]) مقاييس اللغة: 5 / 407.
([10]) الرحمن / 10 ـ 11.
([11])* ويكفي في فضلها وشرفها أنّ اللّه ذكرها في سورة مريم بصيغة المفرد في موضعين: « فأجاءها المخاض الى جذع النخلة: مريم / 23 و» وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً» مريم / 26 وكلا الآيتين في سورة مريم، والجذع: ساق النخلة، وهذه النخلة المذكورة في السورة الكريمة كانت جذعا يابسا لا تحمل التمر أو الرطب، زيادة على ذلك فيها تصوير للقدرة الإلهية فمريم انجبت من دون والد وكذا حال هذه النخلة أثمرت من دون تلقيح، فسبحانه أراد تقديم السبب على المسبب لأن الفاعل سبحانه وحده، جاء مذكرا ومؤنثا منها في سبعة مواضع بصيغة النخل، وفي المواضع الاخرى بصيغة النخيل، ليدل على النخيل المثمر، فجاء دالا على شكله وكثرته في قوله تعالى: « سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية» الحاقة / 7، ودالا على شكله» تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر» القمر / 20.
([12]) لمزيد من الاطلاع ينظر: المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة، للدكتورة سحر ناجي المشهدي، ط1، مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة، ص 322-325.