بقلم: د. حسام عدنان الياسري.
الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، مانع كل غنيمة وفضل، وكاشف عظيمة وأزل، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الاطهار.
وبعد:
أَشْنَق
الشّنق طول الرأس كأنما يمد صعداً([1]). ويقال للفرس طويل الرأس شِنَاق ومَشْنُوق([2]). ومنه أيضاً: شنقت رأس الدابة، إذا شددته إلى أعلى شجرة، أو وقد مرتفعٍ([3]).
وجاءت لفظة (أَشْنَق) مرة واحدة في نهج البلاغة([4])؛ للدلالة على شَنْقِ خطام الناقة الصعبة. وذلك في قول أمير المؤمنين الذي يتحدث فيه عن خلافة (عمر بن الخطاب)، مشبهاً الخلافة بـ (بالنّاقة الصَّعْبَةِ) غير المروّضة إذ يقول: ((... فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ، أنْ أَشْنَقَ لَهَا خَرَمَ، وَأنْ أَسْلَسَ لَهَا تَقَحَّمَ...))([5]). والضمير في قوله (فَصَاحبها) يعود إلى (الخِلافَة)، إذ يشبه الإمام تسلم الخليفة (عمر بن الخطاب) الخلافة من (أبي بكر) بركوب (الصَّعْبَة)، وهي الناقة غير المروضة العسيرة القياد، ويبدو من كلامه وجود حذف في النص، فلم يذكر الموصوف فيه، وهو كلمة (الناقة)، واكتفي بذكر الصفة بدلاً عنه وهو لفظ (الصعبة) الموصوف في هذا النص، وهو لفظة (الناقة)، وأبقى صفتها محلها، وهي مفردة (الصَّعْبَة)، لعنايته بأمر الصعوبة التي تبدوا من ركوب هذا النوع من النوق، والتي تمثل في هذا النص (الخلافَة)، وهي المشبه. إذ ليس المراد جنس المركوب كما يذكر بعض الدارسين([6])، الذي التفت إلى هذا النوع من الدلالة التي أنتجها الحذف في هذا السياق. ولعل الحذف - هنا - كان بسبب من سكوت الإمام عن ذكر لفظة (الخلافة)؛ لأنها هي المقصودة بالتشبيه، فكأن الإمام يريد القول إن (المُتسَنِّم) للخلافة كراكب الناقة الصعبة، فحـذف لفظـة (الخلافة)، وأبقى الضمير دالاً عليها، ولما كان هذا دَأْبُ الإمام في الخطبة كلها فإنه أعرض عن ذكر هذهِ المفردة، واكتفى بذكر أوصافها، ولهذا عمد (عليه السلام) إلى الاستغناء عن ذكر مفردة (النّاقَة) وأبقى صفتها بدلاً عنها ليحقق نوعاً من التناسب بين المشبه والمشبه به. حتى اننا نجد الخطية (الشِّقشِقيّة) التي ورد فيها هذا النص المتقدم محتفلة بضمائر الشأن المتصل بالفاظها مثل (تَقَمَّصَها، دُوْنَها، أَدْلَى بها، يَسْتَقِيْلُهَا، صَيَّرَها، فَصَاحِبُها). وبالعودة إلى مفردة (أشْنَقَ)، فهذهِ اللفظة تعد من المفردات الدالة على قياد (النّاقة) والتحكم بها، ولاسيما في إسراعها وإبطائها، وتوجيهها الوجهة التي يريد راكبها لأنه الأساس في هذا التوجيه. والظاهر من كلام الإمام أن العكس هو الحاصل في (القِياد) - هنا - (فالنّاقة الصَّعْبة) وهي (الخلافة) هي التي تقود صاحبها، وتعجل به بحيث يظهر أن سيطرته عليها غير بينة، فـ (الصَّعْبة = الخلافة) جموح بصاحبها، ولهذا كان (راكبها) بإزاء أمرين؛ فإما أن يشنق زمامها ويكتفه، وتكون نتيجة ذلك خرم أَنفها؛ لأن زمام الناقة موضوع بخشاش أنفها أو طرف أَرنبته مما لا يبلغ الجدع. وهو ما يعبر عنه بـ (الحَزْم)([7]). كأن راكب الناقة يحأول كبح جماحها، فيجذب خطامها، فترفع الدابة رأسها بسبب من سحب مقودها فينخرم أنفها عند ذاك. وقد علق السيد الشريف الرضي شارحاً قول الإمام (عليه السلام) ((أنْ أشْنَقَ لها خَرَم...)) بقوله: ((يريد: أنّه إذا شَدّدَ عليها في جَذْب الزِّمَام، وهي تنازعه رأسها خَرَم أنفها...))([8]).
ويعتمد الشارح السيد الشريف على الدلالة المعجمية لمفردة (أشْنَق) التي يذكرها المعجميون، ومن ثم تبعه اللغويون والمصنفون في الغريب في ذكر المعنى نفسه([9]). في حين اتفق شراح النهج على ذكر الدلالات المتقدمة نفسها أيضاً([10]). وأما المعنى الذي قصد اليه الإمام في توظيف مفردة (أشْنَق) التي ذكر السيد الشريف أن الإمام (عليه السلام) قد استعملها متعدية بحرف الجر (لها)، ولم يقل (أَشْنَقَها) لأنه جعلها في مقابل (أسْلَسَ لها)([11]). فقد ذكر بعض الشراح عدة معانٍ لكلام الإمام (عليه السلام)، فمنها أن يكون الضمير في (صَاحِبَها) عائد إلى مفردة (حَوْزَةٍ خَشْناء)([12]) لأنها متقدمة الذكر([13])، التي أشار بها الإمام إلى طبيعة الخليفة (عمر بن الخطاب) الصعبة التي لا يحتمل للناس التعامل معه، فكأن أصحابه بحاجة إلى مداراته لأنهم كمن يركب الصعبة إذا أشنق لها خرم، وإن منحها زمامها تقحمت به المهالك([14]). والشَّنَاق - هنا - يخص طريقة التعامل مع الخليفة وبهذا يكون المشبه في النص - بناءً على هذا الوجه - هي (الحوزة الخَشْنَاء) والمراد بها الخليفة (عمر بن الخطاب) كما ذكر بعض الشارحين([15]). شبهت بالناقة الصعبة، ووجه الشبه هو الصعوبة وشدة الطبع وغلظة التعامل مع الآخرين. وقد رأى بعض الشراح أن يكون الضمير في (صاحبها) عائداً على (الخلافة) التي شبهها (عليه السلام) (بالناقة الصعبة) فلو فرط الذي يقود الناقة بزمامها، وتركها هملاً لألقته في التهلكة، وكذلك لو فرط الخليفة بخلافته وتخلى عن أحكامها وشرائطها ومراعاة شؤون الرعية وجانب في الحق والمحافظة عليها، وأهمل أمرها، فلا بد أن تُلقيه في موارد الهلكة([16]). وقد عبّر (عليه السلام) عن عدم تدبر القيادة واحكام أمرها بلفظ (أسلس) الدال على بلفظ (أَسْلَسَ)، إرخاء القياد، وأما إذا (أشْنَقَ) أمرها وشدد في تطبيق لوازمها، كان في ذلك مشقة وكلفة مثلما يصاب صاحب الناقة الصعبة التي إن زمها وكبحها ادى ذلك إلى خرم أنفها وإيذائها. كأن الإمام (عليه السلام) يشير بهذا الوجه إلى أن أحداً لايمكنه الموازنة وإحكام العدل عند توليه (الخلافة)، لأنه سيلزم نفسه الإفراط أو التفريط. ولاسيما في أيام (السَّقِيْقَةِ) وما جرى بعدها، ولهذا احتمل كلامه (عليه السلام) يحتمل معنى آخر أشار اليه الشارح البحراني، ملخصه أن المراد بقول الإمام (صَاحِبُها) هو نفسه (عليه السلام)، وقد تشبه براكب الصعبة؛ لأنه كان أيضاً بين أمرين؛ فإما أن يشنق فينحرم. أي أن يتشدد ويسعى إلى طلب حقه، فينشعب أمر المسلمين وتنشق عصاهم كما ينشق أو ينخرم أنف الناقة من جرّاء كبحها. أو أن يُسْلِسَ لها ويترك الأمر على حاله، وذلك بأن يسكت فيؤدي ذلك إلى تقحم الهلاك والأذى([17]). بما سيواجهه من الخلفاء وغيرهم. ويبدو هذا المعنى راجحا مقبولا على الرغم من أن البحراني قد جعله محتملاً فحسب)([18]).
الهوامش:
([1]) ينظر: العين (شنق): 5/42، وتهذيب اللغة (شنق): 8/257.
([2]) نفسه.
([3]) ينظر: العين (شنق): 5/42، وأساس البلاغة (شنق): 1/339.
([4]) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 245.
([5]) نهج البلاغة: خ/3: 29. وقد نقل اللغويون قول الإمام (عليه السلام) المتقدم. ينظر: النهاية في غريب الحديث: 2/506، ولسان العرب (شنق): 10/187.
([6]) ينظر: غريب نهج البلاغة: 333.
([7]) ينظر: لسان العرب (خرم): 12/170.
([8]) نهج البلاغة: خ/3: 33.
([9]) ينظر: النهاية في غريب الحديث: 5/506، ولسان العرب (شنق): 10/187.
([10]) ينظر: معارج نهج البلاغة: 232،233، وشرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 1/170، 171، وشرح نهج البلاغة (البحراني): 1/178.
([11]) ينظر: نهج البلاغة: خ/3: 33.
([12]) يقصد قول الإمام (عليه السلام): ((فَيَا عَجَباً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَيَاتِهِ؛إِذْ عَقَدَهَا لاخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ... فَصَيَّرَهَا في حَوْزَة خَشْنَاءَ، يَغْلُظُ كَلْمُهَا...))نهج البلاغة: خ/3:29.
([13]) ينظر: شرح نهج البلاغة (البحراني): 1/177، 178، والديباج الوضي: 1/212.
([14]) ينظر: شرح نهج البلاغة (البحراني): 1/177، 178.
([15]) ينظر: الديباج الوضي: 1/213.
([16]) ينظر: شرح نهج البلاغة (البحراني): 1/178.
([17]) نفسه.
([18]) لمزيد من الاطلاع ينظر: ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة: للدكتور حسام عدنان رحيم الياسري، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 181-185.