من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة لقاح الإبل ونتاجها 1- اللقاح

أثر نهج البلاغة في اللغة والادب

من ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة لقاح الإبل ونتاجها 1- اللقاح

44 مشاهدة | تم اضافته بتاريخ 22-06-2026

بقلم: د. حسام عدنان الياسري.

الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، مانع كل غنيمة وفضل، وكاشف عظيمة وأزل، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الاطهار.

وبعد:

اللَّقاح جمع اللِّقْحَة، وهي الناقة التي استبان لقاحها وهي حملها. أي أنها أُلْقِحَت من الفحل([1]). ويقال للناقة لَقُوح أول نتاجها لشهرين أو ثلاثة، ثم يقع عنها اسم اللَّقُوح. واللَّقوُح الحَلُوبَةُ من الإبل([2]).
واستعملت لفظة (اللِّقاح) ثلاث مرات في نهج البلاغة مرة محلاة بـ (ال) التعريف ومرتين مجردة منها([3])؛ وذلك للدلالة على ما يأتي:

أولاً: الدلالة على الإبل الحَلُوب اللُّقْحَة.
وهي الإبل النتاج القريبة العهد بالولادة، التي تكون ذات لبنٍ. وذلك إمارة على وجود أولاد لها. واستعمل الإمام هذهِ المفردة بصيغة الجمع على (فِعَال)، في سياق وصف أصحابه الذين لم يتخلفوا عن دعوة الإسلام وذابوا فيه، وأحكموا القرآن الكريم، وهرعوا إلى الجهاد كما تهرع النوق إلى أولادها. يقول (عليه السلام): ((أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الاِسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ؟ وَقَرَأوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ؟ وَهِيجُوا إِلى الْجِهَادِ فَوَلَّهُوا اللِّقَاحَ أولاَدَهَا...))([4]). فشبه الإمام حال هؤلاء القوم وولههم حينما هيجوا إلى الجهاد، بحال اللَّقاحِ من النوق، وهي التي ولدت للتو، وما زالت قريبة عهد بالنتاج؛ فإذا فارقت وليدها، ذهلت، وطار صوابها وهاجت اليه شوقاً. وهذهِ الحال شائعة في الإبل اللقحة، فإنها ما تزال تحن إلى ولدها حتى يسمن سنامه، وذلك لسبعة أشهرٍ، فيفصل عنها عند طلوع سهيل([5]). فتكون بعد هذهِ المدة أهون حنيناً إلى فصيلها.

أقول: وقد أخذ الإمام هذه الفكرة المتعلقة بعطف هذهِ الدواب على أولادها وولهها عليهم، جاعلاً منها صورة وشبه بها أصحابه الذين هيجوا إلى الجهاد كما تهيج الإبل وتحن منبعثةً إلى أوطانها([6]). فصار - في هذا السياق - ضربان من الحنين والوله الذي تمتاز به النوق، الأول وظف له مفردة (هيجوا)، وهو مأخوذ - كما سلف - من هياج الناقة وانبعاثها إلى وطنها، والثاني وله اللِّقاحِ من الإبل إلى أولادها. وإنما خص اللقاح دون غيرها من النوق؛ لأنها أشد ما تكون ولهاً إلى فصلانها من غيرها، حتى كأنها قد ذهب عقلها من شدةِ الوجد والحيرة عليهم. وثمّة إشارة تتعلق بالفعل (وَلِهُوا)، فقد رَوَت بعض شروح النهج البلاغة رواية أخرى فيه (وَلَّهُوا) بوزن (فَعَّل) بالمبالغة، كأن هؤلاء أرغموا اللِّقاح من الإبل على فراق أولادها، بأن ركبوا هذه النوق، أو استعملوها في الجهاد، وذلك كله رغبة في طاعة الله تبارك وتعالى وإجابةً لداعي الجهاد. ومع ضعف هذهِ الرواية؛ لأنها تخالف النهي عن تفريق الأمهات عن أولادهن في البيع كما ورد في الحديث الشريف([7]). لكن ذلك يظهر الصورة التي كان عليها هذا النوع من المسلمين الأوائل.

ثانياً: الدلالة على مَاءِ الفَحْلِ.
وجاءت هذه الدلالة في سياق كلامه (عليه السلام) عن (الطاووس) وعجيب خلقته؛ إذ يقول نفي لقاح الفحل من هذه الطيور لأنثاه من دمعة تسفحها مدامعه: ((وَلَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَة تَسْفَحُهَا([8]) مَدَامِعُهُ، فَتَقِفُ في ضَفَّتَي جُفُونِهِ، وأَنَّ أنْثَاهُ تَطْعَمُ ذلِكَ، ثُمَّ تَبِيضُ لاَ مِنْ لِقَاحِ فَحْل  سِوَى الدَّمْعِ الْمُنبَجِسِ([9])، لَمَا كَانَ ذلِكَ بَأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ([10]) الْغُرَابِ...))([11])   ويذكر الإمام زعم من زعم أن الطاووس الذكر يلقح أنثاه من دمعة تسفحها مدامعه، فتطعم أنثاه ذلك، ثم تبيض دونما لقاحٍ الاّ الدمع الذي ينفجر عن عيونه. وإنما يشير الإمام إلى هذه الحال في الطاووس ليس على نحو صدق ذلك، وأنما على نحو ما يذكر في شأن هذا الطير العجيب، ولهذا قال (عليه السلام): ((ولو كان كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُم...))، ولا يعني هذا تصديقه لهذا الزعم، ولكنه لو صح، فلا يكون أعجب من قولهم في مطاعمة الغراب عند اللقاح. فالعرب تزعم أن الغراب لا يسفد، وأنّ لقاحه يكون من مطاعمة الذكر والأنثى، وذلك بإيصال جزءٌ من الماء الذي

في قانصته اليها، بعدما يضع منقاره في منقار صاحبه، ويتزاقا([12]). ولهذا عبر (عليه السلام) عن سفاد الغراب بمفردة (مطاعمة)، للدلالة على تزاوجه وسفاده ([13]) على نحو يشبه المطاعمة.

أقول: وقد ذكر الجاحظ (ت 255 هـ) ما تزعمه العوام من أن تسافد الغربان يكون من تطاعمها بالمناقير، وأن لقاحها يكون من هذا الوجه([14]) وقد ردّ الجاحظ هذا الزعم، وذكر أنه لم ير العلماء يقولون أن إناث الحمام، إذا تسافدت قبّل بعضها بعضاً، وأنها تبيض عن ذلك، ولكن لا يكون من ذلك البيض فراخٌ، وإنه في سبيل بيض الريح([15]). وبالعودة إلى لقاح ذكر الطاووس لأنثاه، فالذي ذكره الإمام هو زعم من ذهب إلى أن ذلك لا يحصل من لقاح فحل، فإنها لا تبيض منه والمراد من مفردة (لُقَاح) هو ماء الفحل، وهذا أصل دلالة هذه اللفظة عند اللغويين([16]). ووظف الإمام التعبير عن هذهِ المفردة في سياق كلامه عن سفاد الطواويس لإناثها، موسعاً من دلالة هذهِ الكلمة، وآخذاً إياها من لقاح الإبل إلى لقاح الطاووس. فاللفظة المتقدمة مخصوصة أصلاً بلقاح الإبل كما يذكر أهل اللغة([17]). واستعمالها في غير ذلك المجال، مثل التعبير بها عن لقاح النساء وغيرها من اللقاح، دليل على اتساع معناها، ولعل ذلك يؤدي إلى تغيير دلالتها. فإنها إذا استعملت في الدلالة على لقاح النساء، فذلك يدل على حملها ولقحت إذا حملت([18]). ومهما يكن من شيء، فإنه لو كان سفاد الطواويس بالطريقة التي ذكرها الإمام على سبيل الزعم، فذلك من عجائب هذا الطائر التي أبدع الله تبارك وتعالى في صنعه)([19]).

الهوامش:
([1]) ينظر: العين (لقح): 3/47، وتهذيب اللغة (لقح): 4/33.
([2]) ينظر: المحكم (لقح): 3/12.
([3]) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 411.
([4]) نهج البلاغة: خ/121: 224.
([5]) ينظر المحكم (لقح): 3/13.
([6]) ينظر: لسان العرب (هيج): 2/395.
([7]) ونَصّ الحديث أنّه (a) قال: ((لاَ تُوَلَّهُ وَالدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا)). كنز العُمّال للمتقي الهندي: 5/577، 9/75.  وقد ورد الحديث في: العين (وله): 4/89، والنهاية في غريب الحديث: 5/226.
([8]) تَسْفَحها تُرسِلُها. ينظر: لسان العرب (سفح): 2/485.
([9]) البَجْس انشقاق في قِرْبة أو حَجَرٍ، أو أرضٍ ينبع منها ماء، وهو عَامٌ لكل انفجار ماء أو غيره. ينظر: لسان العرب (بجس): 6/24.
([10]) المُطَاعَمَةُ التّطَاعُم، وهو إدخال الفَمِ في الفَمِ، وهو في الحَمَام التّقبيل. ينظر: تهذيب اللغة (طعم): 2/114.
([11]) ينظر: شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): 9/207، وشرح نهج البلاغة (البحراني): 3/667.
([12]) ينظر: معارج نهج البلاغة: 1/581.
([13]) ينظر: الحَيْوان، للجاحظ: 3/177.
([14]) ينظر: الحَيْوان، للجاحظ: 3/177.
([15]) نفسه.
([16]) ينظر: العين (لقح): 3/47، وتهذيب اللغة (لقح): 4/33، والمحكم (لقح): 3/12.
([17]) ينظر: تهذيب اللغة (لقح): 4/34، والمحكم (لقح): 3/13، والنهاية في غريب الحديث: 4/262.
([18]) ينظر: تهذيب اللغة (لقح): 4/34، والمحكم (لقح): 3/13.
([19]) لمزيد من الاطلاع ينظر: ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة: للدكتور حسام عدنان رحيم الياسري، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 185-187.

المقالة السابقة المقالة التالية
ادارة الموقع

ادارة الموقع

Execution Time: 0.1117 Seconds