بقلم: د. حسام عدنان الياسري.
الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، مانع كل غنيمة وفضل، وكاشف عظيمة وأزل، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الاطهار.
وبعد:
النّفُور من الدواب هو المتجافي المتباعد. الذي تفرق عن غيره([1]). وقد وردت هذهِ المفردة مرة واحدة في نهج البلاغة([2])، للدلالة على المبتعد المتجافي من الإبل. وذلك في وصيته للإمام الحسن (عليه السلام) في مقام التشبيه بالصعب النفور من الدواب. إذ يقول (عليه السلام): ((أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً ([3])، بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ، وَأورَدْتُ خِصَالاً مِنْهَا قَبْلَ أنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أنْ أُفْضِي([4]) إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي... أو يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَفِتَنِ الدُّنْيَا، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ...))([5]). أراد أنه بادر إلى ولده الإمام الحسن (عليه السلام) بالوصية قبل أن يدنو أجله، فألقى اليه ما في نفسه من حكم وأقوال، وقبل أن تقرب غلبات الهوى وفتن الدنيا. فيقسو - عند ذاك - القلب، ويصير الإنسان كأنه جمل صعب القياد. نفور غير آنسٍ بصاحبه، يستوحش من كل ما يلقاه. واستعماله (عليه السلام) مفردتي (الصَّعْب) و (النّفُور) يظهران وجه الشبه بين طرفي التشبيه الذي أسقط منه الإمام الموصوف وأبقى صفاته الدالة عليه، فكأنه قال: ((فَتَكُونَ كالجَمَلِ َالصَّعْبِ النَّفُورِ)) الذي لا يمكن ترويضه وإيناسهُ، ليكون ذلولاً آنساً بالناس لا يتجافى عنهم. وتشبيه الإمام (عليه السلام) لقلب الإنسان الذي يقسو وينمو على عدم النصح والإرشاد والهداية (بالصَّعْب النفور) من الدواب، تشبيه لطيف أراد به الإمام إثبات مسألتين؛ الأولى عدم القدرة على تأديب الأحداث من الأولاد بعدما يشبّون ويكبرون على المعاصي والآثام، فضلاً عن عدم القدرة على ترويضهم وإعادتهم إلى الطريق المستقيم؛ لأنهم ينفرون من النصح والإرشاد، ويتفرقون عمّن يرشدهم ويوجههم كما ينفر الجمل النفور عن صاحبه، كأنهم يخشون غلبة الناصح عليهم، وتمكنه من إقناعهم بالهداية إلى الإيمان. ولهذا ذكر أمير المؤمنين مبادرته بالوصية إلى ولده الإمام الحسن (عليه السلام)، وهذا الخطاب عام لا يخصصه المورد - كما يقال - فالحديث موجه إلى كل أَبٍ عليه أن يسبق أيامه لارشاد أولاده وتوجيههم قبل أن يبلغوا أشدهم، فيبادرهم بالأدب وهم فتية أحداث لما تقسوا قلوبهم بعد: فـ ((قَلْبُ الْحَدَثِ كَالاْرْضِ الْخَالِيَةِ مَا ألْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيء قَبِلَتْهُ))([6]). كما يقول الإمام)([7]).
الهوامش:
([1]) ينظر: مقاييس اللغة (نفر): 5/459، ولسان العرب (نفر): 5/224.
([2]) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 449.
([3]) الوَهْن الضّعْف. ينظر: لسان العرب (وهن): 13/453.
([4]) الإفضاءُ في الأصل الإنتهاء. ينظر: لسان العرب (فضا): 15/157، وهو هنا يعني القاء ما في نفس الإمام (عليه السلام) من كلام إلى ولده الإمام الحسن (عليه السلام).
([5]) نهج البلاغة: ك/31 498، 499.
([6]) نهج البلاغة: ك/31: 499.
([7])لمزيد من الاطلاع ينظر: ألفاظ الحياة الاجتماعية في نهج البلاغة: للدكتور حسام عدنان رحيم الياسري، ط: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة: ص 177-178.